لم يعد طموح المغرب في التحول إلى قوة عسكرية إقليمية مجرد رغبة في تكديس الترسانة الحربية، بل بات يترجم واقعياً إلى استراتيجية ‘السيادة الدفاعية’. ومع تزايد الضغوط على سلاسل الإمداد العسكرية الأمريكية، وجدت الرباط نفسها أمام حتمية البحث عن بدائل تضمن لها الاستقلالية بعيداً عن تقلبات الإنتاج في مصانع ‘العم سام’.
الأزمة ليست سياسية بقدر ما هي تقنية ولوجستية؛ فالولايات المتحدة، الشريك الاستراتيجي الأول للمملكة، تعاني من اختناقات حادة في خطوط إنتاج الأسلحة المتطورة، نتيجة التزاماتها المتزايدة تجاه جبهات مشتعلة في أوكرانيا والشرق الأوسط. هذا الوضع دفع صانع القرار المغربي إلى تسريع وتيرة ‘توطين الصناعة العسكرية’، وهي الخطوة التي يراها مراقبون رداً ذكياً على تأخر تسليم بعض الصفقات المبرمة سابقاً.
المغرب اليوم لا يكتفي بالشراء، بل يفرض شروطاً تتعلق بنقل التكنولوجيا. فمنذ صدور القانون رقم 10.20 المتعلق بالعتاد والتجهيزات الدفاعية، بدأت المملكة في وضع حجر الأساس لمنظومة صناعية متكاملة. الهدف واضح: صيانة الطائرات، وتصنيع المسيرات، وإنتاج الذخائر محلياً. هذه التحركات لا تعكس فقط رغبة في تقليص الفاتورة الطاقية والمادية، بل هي قراءة استباقية لواقع دولي متقلب، حيث لم يعد الاعتماد الكلي على الاستيراد خياراً آمناً.
وعلى الرغم من أن واشنطن تظل المورد الرئيسي، إلا أن الرباط بدأت فعلياً في تنويع شراكاتها التقنية، منفتحة على خبرات من دول مثل إسرائيل والبرازيل وبعض القوى الآسيوية، لخلق مزيج دفاعي يصعب اختراقه. إنها مقامرة محسوبة، تضع المغرب في خانة الدول التي لا تكتفي باستهلاك السلاح، بل تسعى لامتلاك مفاتيح صناعته، مما يعزز موقفه التفاوضي في أي صفقات مستقبلية ويضمن جاهزية قواته المسلحة الملكية أمام أي تحديات ميدانية طارئة.