24 ساعة

بين سكينة الليل وجمع الحصى.. حجاج بيت الله الحرام يحطون الرحال بمزدلفة تأهباً ليوم العيد

بعد أن عاشوا لحظات التجلي الروحاني فوق صعيد عرفات الطاهر، وأدوا ركن الحج الأعظم، استقر ضيوف الرحمن مساء الثلاثاء في مشعر مزدلفة، في مشهد إيماني مهيب غلبت عليه السكينة والوقار. هذا الانتقال الذي جرى في انسيابية تامة، يعكس حجم الجهود التنظيمية الجبارة التي سهرت عليها السلطات لضمان راحة الحجاج وسلامتهم.

بمجرد وصولهم إلى هذا المشعر المبارك، بادر الحجاج إلى أداء صلاتي المغرب والعشاء جمعاً وقصراً، اقتداءً بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ليبدأوا بعدها رحلة البحث عن الحصوات الصغار، استعداداً للمرحلة المقبلة من مناسكهم. فالليلة في مزدلفة هي ليلة التقاط الأنفاس والتحضير ليوم النحر، حيث يبيت الحجاج تحت كنف الرحمن، يذكرونه ويستغفرونه في ‘المشعر الحرام’.

ومع تباشير فجر يوم الأربعاء، الذي يوافق أول أيام عيد الأضحى المبارك، من المرتقب أن تتدفق جموع الحجيج نحو مشعر منى. هناك، سيعيش الحجاج يوماً حافلاً بالنسك، يبدأ برمى جمرة العقبة الكبرى، ثم نحر الهدي، وصولاً إلى الحلق أو التقصير، وهو ما يعني ‘التحلل الأصغر’ من الإحرام، لتعود البسمة والبهجة بتمام النعمة.

ما يميز حركة الحجيج هذا العام هو ذلك التناغم الكبير بين مختلف الأجهزة التنظيمية. فمزدلفة، التي تمتد على مساحة شاسعة تتجاوز 11 مليون متر مربع، تحولت إلى خلية نحل تعمل بدقة الساعة. ولم يعد المشعر مجرد مساحة مفتوحة، بل صار يضم مرافق متطورة، منها ‘مسار المشاعر’ الذي أشرفت عليه شركة ‘كدانة’، حيث جُهزت ممرات المشاة بأرضيات مطاطية مريحة، وأعمدة رذاذ لتلطيف الأجواء، ومناطق مخصصة لشحن الهواتف والاستراحة.

ولم يغب الجانب الرقمي عن المشهد، إذ تُدار حركة الحشود عبر أنظمة ذكية وغرف تحكم مركزية تتابع كل صغيرة وكبيرة في الحين واللحظة، مما يتيح التدخل السريع عند الضرورة. كما شهد مسجد المشعر الحرام تحديثات شاملة شملت أنظمة التكييف والإضاءة والصوتيات، لاستيعاب أكبر عدد من المصلين في أجواء تليق بقدسية المكان.

إن مبيت الحجاج في مزدلفة ليس مجرد محطة عابرة في طريق العودة من عرفات، بل هو تجسيد حي لروحانية الحج ومعانيه العميقة، حيث يتساوى الجميع في لباسهم ودعائهم، وسط منظومة خدمات متكاملة تجعل من رحلة العمر تجربة آمنة ومطمئنة.