في أجواء احتفالية احتضنتها العاصمة الرباط بمناسبة ‘يوم إفريقيا’، لم يكن خطاب ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل جاء ككشف حساب استراتيجي لرؤية ملكية متبصرة جعلت من العمق الإفريقي أولوية قصوى للمملكة. بوريطة، وبنبرة واثقة، فكك شفرات هذه الرؤية التي ترتكز على خمس دعائم أساسية، تضع ‘الانتماء’ فوق ‘الجوار’ و’الفعل’ فوق ‘الشعارات’.
واستهل بوريطة حديثه بالتأكيد على أن المغرب لا ينظر إلى إفريقيا كفضاء جغرافي مجاور أو خيار استراتيجي مؤقت تفرضه الظروف، بل هو انتماء كامل وراسخ في هوية المملكة. واستحضر الوزير بذكاء مقولة جلالة الملك محمد السادس التاريخية أمام قمة الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا: ‘إفريقيا قارتي، وهي أيضاً بيتي’، وهي العبارة التي لخصت فلسفة ‘سياسة الانتماء’ التي تتبناها الرباط، بعيداً عن منطق المصالح الضيقة.
ولم يغفل الوزير لغة الأرقام التي تعكس حيوية هذه الدبلوماسية؛ فمنذ اعتلاء جلالة الملك العرش، شهدت العلاقات المغربية الإفريقية طفرة غير مسبوقة بتوقيع نحو 1800 اتفاقية ثنائية، منها 1400 اتفاقية وُقعت تحت الإشراف الملكي المباشر، دعمتها 53 زيارة ملكية شملت أكثر من 30 دولة إفريقية. هذه الأرقام ليست مجرد حبر على ورق، بل هي تجسيد لـ ‘دبلوماسية الفعل الملموس’ التي نقلت الرباط لتصبح واحدة من أهم العواصم الدبلوماسية في القارة، باحتضانها لـ 117 تمثيلية دبلوماسية، حيث تمتلك 80 في المائة من دول القارة سفارات لها في قلب المملكة.
وفي الشق الاقتصادي واللوجيستي، رسم بوريطة صورة للمغرب كقاطرة قارية؛ فالمملكة اليوم هي المصدر الأول للسيارات والفوسفاط في إفريقيا، وميناء ‘طنجة المتوسط’ بات يتربع على عرش الموانئ القارية. هذه القوة الاقتصادية توازيها روح تضامنية في تقاسم الخبرات، حيث يشارك سنوياً أكثر من 1200 إطار إفريقي في برامج تكوين بالمغرب، فيما تحتضن الجامعات المغربية حالياً نحو 60 ألف طالب إفريقي، مع تخصيص 5500 منحة دراسية للموسم الجامعي القادم 2025-2026.
أما عن المبادرات الكبرى، فقد شدد بوريطة على أن مشاريع مثل ‘المبادرة الأطلسية’ و’أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب’ هي مشاريع هيكلية تهدف لربط القارة بالعالم وتحقيق استقرارها الاقتصادي. وبالحديث عن الاستقرار، لم يفت الوزير التأكيد على الدور الأمني الحيوي للمملكة في عمليات حفظ السلام، ومكافحة الإرهاب، والتصدي للنزعات الانفصالية التي تهدد وحدة الدول.
وفي ملف الصحراء المغربية، كان بوريطة حازماً حين أشار إلى أن دعم ثلثي دول القارة لمبادرة الحكم الذاتي يمثل انتصاراً لمنطق الحق والشرعية. وأوضح أن القرار الأممي الأخير رقم 2797 قدم أجوبة صريحة وواضحة، بعيداً عن التأويلات المغلوطة، بخصوص معايير الحل السياسي والأطراف المعنية به، مؤكداً أن مغربية الصحراء هي حجر الزاوية في أي تعاون إقليمي صادق يسعى لبناء مستقبل إفريقي مزدهر.