بملابس الإحرام البيضاء التي توحد القلوب قبل الأبدان، وبتلبيات تصدح بها الحناجر ‘لبيك اللهم لبيك’، بدأ حجاج بيت الله الحرام، اليوم الثلاثاء، رحلة الصعود نحو صعيد عرفات الطاهر. إنه يوم اللقاء الأكبر، والركن الذي لا يكتمل الحج إلا به، حيث تتجه أنظار العالم الإسلامي بأسره إلى هذا المشهد الإيماني المهيب الذي تشتاق إليه النفوس وتتوق إليه الأفئدة في كل بقاع الأرض.
هذا الزحف الإيماني نحو جبل الرحمة جاء بعد أن قضى الحجاج ليلتهم في مشعر منى، حيث أحيوا ‘يوم التروية’ اقتداءً بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. الملاحظ في حج هذا العام هو تلك الانسيابية الكبيرة والهدوء الذي طبع حركة الحشود، رغم الأعداد المليونية، بفضل التنظيم المحكم والرقابة الدقيقة التي تفرضها وزارة الحج والعمرة السعودية، بتنسيق وثيق مع مختلف الأجهزة الأمنية والخدمية التي سخرت طاقاتها لتأمين المسارات وتسهيل التنقل.
وعلى الصعيد الصحي، الذي يمثل أولوية قصوى في مثل هذه التجمعات الكبرى، زف المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة السعودية، عبد العزيز عبد الباقي، أخباراً مطمئنة خلال مؤتمر صحفي، مؤكداً أن الحالة الصحية العامة للحجاج ‘مستقرة وآمنة تماماً’. وأشار المسؤول السعودي إلى أن الفرق الطبية المنتشرة في كل شبر من المشاعر المقدسة لم ترصد أي حالات تفشٍ وبائية أو أمراض مؤثرة على الصحة العامة، مما يعكس نجاح الخطط الاستباقية التي وضعتها المملكة لحماية ضيوف الرحمن.
ومع الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة التي تشهدها المنطقة في هذه الفترة من السنة، وجهت السلطات الصحية نداءات مستمرة للحجاج بضرورة اتخاذ الاحتياطات اللازمة. وشملت هذه التوصيات الحرص على شرب كميات كافية من المياه والسوائل، واستخدام المظلات الشمسية بشكل دائم، مع تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس الحارقة خاصة في ساعات الذروة، وذلك لتفادي حالات الإجهاد الحراري وضمان إتمام المناسك في أفضل الظروف الجسدية.
هكذا، وبينما يقف الحجاج في صعيد عرفات، يبتهلون إلى الله بالدعاء والرجاء، ترسم الجهود المبذولة على الأرض لوحة من التفاني في الخدمة، تجعل من رحلة العمر هذه تجربة روحية فريدة، يملؤها السكون والسكينة تحت رعاية طبية وأمنية لا تغفل لها عين.