24 ساعة

موتسيبي يفاجئ المغرب بخطوة رائعة

لم تكن زيارة الجنوب أفريقي باتريس موتسيبي، رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف)، إلى العاصمة المغربية الرباط مجرد محطة عابرة في أجندة كروية مزدحمة، بل تحولت إلى مشهد إنساني بامتياز يعيد تعريف دور القيادات الرياضية في القارة السمراء. في قلب الرباط، وتحديداً بين جدران كنيسة ‘القديس بطرس’ التاريخية، اختار موتسيبي أن يبعث برسالة تتجاوز المستطيل الأخضر، مؤكداً أن الروح الرياضية الحقيقية هي تلك التي تحتفي بالقيم الإنسانية المشتركة والتسامح الديني.

بدأت القصة حينما قرر موتسيبي، المعروف بتوجهاته الخيرية العميقة، تخصيص جزء من وقته لزيارة هذا المعلم الديني البارز. ولم تكن الزارة بروتوكولية جافة، بل سادها جو من الدفء والتقدير، حيث التقى بمسؤولي الكنيسة والقائمين عليها. وفي لفتة كريمة، أعلن الملياردير الجنوب أفريقي عن تقديم تبرعات مالية هامة لفائدة الكنيسة، وهي خطوة يراها المراقبون تعزيزاً للدور الاجتماعي الذي تلعبه مؤسسة ‘موتسيبي’ الخيرية التي يديرها مع زوجته، والتي لطالما كانت سباقة في دعم المشاريع التنموية والدينية والتعليمية في مختلف ربوع القارة.

لماذا يختار رئيس منظمة كروية كبرى مثل هذه الخطوة في قلب المغرب؟ الإجابة تكمن في السياق المغربي الفريد؛ فالرباط ليست مجرد عاصمة سياسية، بل هي نموذج حي للتعايش بين الأديان، حيث تعانق مآذن المساجد أبراج الكنائس في تناغم قل نظيره. موتسيبي، ومن خلال هذه المبادرة، يبدو كأنه يحيي هذا النموذج المغربي، مشيراً بوضوح إلى أن كرة القدم يجب أن تكون جسراً للتواصل لا جداراً للفصل.

من الناحية المهنية، يعكس هذا السلوك ذكاءً دبلوماسياً لافتاً لرئيس ‘الكاف’. ففي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى التنافس المحموم على الملاعب، يذكرنا موتسيبي بأن القائد الناجح هو من يمتلك رؤية شاملة تتخطى النتائج الفنية لتلمس حياة الناس. هذه التبرعات، وإن كانت مادية في ظاهرها، إلا أنها تحمل حمولة رمزية ثقيلة؛ فهي دعوة صريحة لنبذ الكراهية وتعزيز قيم الإخاء التي تحتاجها أفريقيا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

وعلى هامش الزيارة، لم يفت المتابعين ملاحظة التواضع الذي طبع تحركات موتسيبي، وهو الرجل الذي يدير إمبراطورية مالية ورياضية ضخمة. إن الانخراط في العمل الخيري ليس بجديد على عائلة موتسيبي، التي كانت أول عائلة أفريقية تنضم إلى مبادرة ‘تعهد العطاء’ (The Giving Pledge)، ملتزمة بالتنازل عن نصف ثروتها للأعمال الخيرية. لكن القيام بذلك في الرباط، وفي كنيسة تاريخية، يمنح الفعل أبعاداً ثقافية وسياسية تخدم صورة الاتحاد الأفريقي كمنظمة تهتم بالإنسان قبل الكرة.

كيف يمكن للرياضة أن تغير العالم؟ سأل نيلسون مانديلا يوماً هذا السؤال، ويبدو أن مواطنه موتسيبي يحاول تقديم إجابة عملية من قلب المغرب. إن دعم المؤسسات الدينية والاجتماعية يساهم في بناء نسيج مجتمعي قوي، وهو ما ينعكس بالضرورة على استقرار القارة وتطورها، بما في ذلك تطور كرة القدم نفسها. فالملاعب لا تزدهر إلا في بيئات تسودها المحبة والقبول المتبادل.

ختاماً، تبقى زيارة موتسيبي لكنيسة القديس بطرس بالرباط علامة فارقة في مساره كرئيس للكاف. هي لحظة تأمل في قدرة الفرد على صنع الفارق، وتذكير بأن المناصب زائلة وما يبقى هو الأثر الطيب. لقد نجح ‘رجل المال والكرة’ في تسجيل هدف من نوع خاص، هدف في مرمى التعصب، وبناء جسر جديد من جسور المودة بين شعوب القارة ومؤسساتها.