لم يعد الحديث عن التحول الديمغرافي في المغرب مجرد توقعات عابرة، بل أضحى واقعاً ترسم ملامحه الأرقام الرسمية؛ فالمملكة تتجه بخطى ثابتة نحو “شيخوخة متسارعة” بحلول عام 2040. هذا ما كشف عنه أحدث تقرير للمندوبية السامية للتخطيط، والذي يسلط الضوء على تغيرات عميقة ستطال بنية المجتمع المغربي، وسوق الشغل، وحتى طبيعة الخدمات الاجتماعية.
وتشير التوقعات إلى أن عدد سكان المغرب سيواصل النمو ليصل إلى نحو 40.5 ملايين نسمة بحلول عام 2040، مقارنة بـ 36.8 ملايين نسمة المسجلة في الإحصاء الأخير. ومع ذلك، فإن هذا النمو يسير بوتيرة متباطئة، حيث تبرز فئة كبار السن كأسرع الفئات نمواً، بينما تتراجع نسبة الأطفال والشباب بشكل ملحوظ.
وفي تفاصيل هذه التحولات، يتوقع الخبراء أن يرتفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة إلى 79.3 سنة، وهو قفزة نوعية مقارنة بـ 47 سنة فقط في الستينيات. هذا التحسن في الرعاية الصحية يقابله استقرار في معدلات الخصوبة عند حدود 1.9 طفل لكل امرأة، وهو رقم يقل عن عتبة تجديد الأجيال. ونتيجة لذلك، ستنخفض حصة الأطفال دون سن 15 عاماً إلى حوالي 19.2% من مجموع السكان، في حين ستقفز نسبة الأشخاص البالغين 60 عاماً فما فوق لتصل إلى 19.5%، أي قرابة 7.9 ملايين شخص.
هذا الانعطاف الديمغرافي يضع المغرب أمام تحديات اقتصادية واجتماعية كبرى؛ فرغم أن السكان في سن العمل (15-59 عاماً) سيصلون إلى 24.8 ملايين نسمة، إلا أن ما يسمى بـ “النافذة الديمغرافية” التي تمنح البلاد وفرة في اليد العاملة قد تبدأ في الانغلاق بحلول عام 2038.
وعلى مستوى المعيشة اليومي، يظهر التقرير أن الأسر المغربية تتجه لتصبح أصغر حجماً، حيث سيتقلص متوسط عدد أفراد الأسرة الواحدة إلى 3.3 أشخاص، مع توقع وصول عدد الأسر الإجمالي إلى 12.3 ملايين أسرة. كما حذرت المندوبية من استمرار الفوارق الجهوية، حيث تتركز الكتلة السكانية حالياً في خمس جهات رئيسية تستحوذ على أكثر من 70% من الساكنة، مما يستدعي سياسات تصحيحية عاجلة لضمان توازن التنمية العمرانية والاجتماعية في المستقبل القريب.