بعد أسابيع من الترقب وحبس الأنفاس، يبدو أن السماء قررت أخيراً أن تفتح أبوابها للمغاربة. فبينما كان الجميع يراقب الأفق بآمال معلقة على ‘غيث’ ينقذ ما يمكن إنقاذه من الموسم الفلاحي، كشفت المديرية العامة للأرصاد الجوية عن وصول منخفض جوي قوي، يحمل في طياته أمطاراً رعدية ورياحاً قوية، بل وحتى زواراً بيضاً سيكسون القمم الجبلية.
هذا التحول الجذري في الحالة الجوية ليس مجرد خبر عابر في نشرة الأخبار، بل هو شريان حياة لبلد يعيش تحت ضغط الإجهاد المائي. ووفقاً للمعطيات التقنية التي أوردتها المصالح المختصة، فإن المنخفض الجوي المتمركز حالياً فوق المحيط الأطلسي بدأ يزحف تدريجياً نحو السواحل المغربية، مما سيؤدي إلى تساقطات مطرية تتراوح كمياتها ما بين 40 و80 ملم في عدة مناطق، وهو رقم يبشر بعودة الروح إلى السدود التي عانت من تراجع مقلق في منسوبها.
لكن، هل ستكون هذه الأمطار برداً وسلاماً على الجميع؟ الإجابة تكمن في تفاصيل النشرة الإنذارية من مستوى ‘يقظة برتقالية’. فالمناطق الشمالية والوسطى، خاصة أقاليم طنجة، تطوان، العرائش، والقنيطرة، ستكون في مواجهة مباشرة مع زخات رعدية قوية قد تتسبب في سيول محلية. وهنا يبرز التحدي المعتاد: هل البنية التحتية في مدننا الكبرى جاهزة لاستيعاب هذا الكرم السماوي المفاجئ؟ إنه سؤال يطرحه المواطن في كل مرة، بينما تستنفر السلطات المحلية أطقمها لتفادي أي سيناريوهات غير محمودة.
وبعيداً عن المدن، تتجه الأنظار نحو مرتفعات الأطلس الكبير والمتوسط. هناك، لن تكتفي الطبيعة بالمطر، بل ستجود بثلوج كثيفة يتوقع أن يتجاوز سمكها في بعض القمم 30 سنتيمتراً. بالنسبة لسكان الجبال، الثلج هو ‘خزان المياه الاستراتيجي’، لكنه أيضاً مرادف للعزلة والبرد القارس. هذا التناقض الجميل والمؤلم في آن واحد، يفرض على الجهات المعنية تأمين المسالك الطرقية وفك العزلة عن الدواوير التي قد تجد نفسها محاصرة بين ليلة وضحاها.
من الناحية المهنية، يرى خبراء المناخ أن هذا المنخفض يأتي في توقيت حرج جداً. فنحن في قلب فصل الشتاء، وأي تأخير إضافي في الأمطار كان سيعني كارثة حقيقية للمحاصيل الخريفية. اليوم، يتنفس الفلاح ‘الصغير’ الصعداء، وهو يرى أرضه ترتوي، آملاً أن تكون هذه التساقطات بداية لسلسلة من الاضطرابات الجوية التي تعوض سنوات الجفاف العجاف.
ولا تتوقف الحكاية عند المطر والثلج، فالرياح ستكون حاضرة وبقوة، حيث من المتوقع أن تصل سرعتها إلى 80 كيلومتراً في الساعة في بعض المناطق الساحلية والشرقية. هذه الرياح ليست مجرد هواء عابر، بل هي نذير بتغيرات جوية عميقة قد تؤثر على حركة الملاحة البحرية والجوية، مما يستوجب الحذر الشديد من قبل الصيادين والمسافرين على حد سواء.
في الختام، يبقى المغرب تحت رحمة هذه التقلبات الجوية التي تذكرنا دائماً بمدى ارتباطنا الوثيق بالطبيعة. وبينما نستعد لاستقبال الأمطار بقلوب متفائلة، تظل عين المسؤول يقظة على المخاطر المحتملة، وعين المواطن تراقب السماء بامتنان. فهل ستكون هذه التساقطات هي ‘نقطة التحول’ التي انتظرناها طويلاً لترميم ما أفسده الجفاف؟ الأيام القليلة القادمة كفيلة بالإجابة، لكن الأكيد أن رائحة الأرض المبللة ستكون هي العنوان الأبرز في كل البيوت المغربية هذا الأسبوع.