24 ساعة

المغاربة وخصام الكتاب.. أرقام حمراء تدق ناقوس الخطر حول واقع القراءة بالمملكة

لم يعد الحديث عن “عزوف المغاربة عن القراءة” مجرد انطباع شخصي أو شكوى يطلقها المثقفون في الجلسات الخاصة، بل أضحى حقيقة صادمة تؤكدها لغة الأرقام والمؤشرات الدولية التي وضعت المغرب في مراتب متأخرة لا تليق بتاريخه الثقافي. فبينما يقضي القارئ في الولايات المتحدة أو الدول الغربية مئات الساعات سنوياً بين دفات الكتب، لا يزال متوسط القراءة لدى الفرد المغربي لا يتجاوز بضع ساعات هزيلة، في مفارقة تعكس حجم الهوة المعرفية التي نعيشها اليوم.

وتشير البيانات الحديثة إلى أن الوقت اليومي الذي يخصصه المواطن المغربي للمطالعة لا يتعدى بضع دقائق معدودة، في مقابل نصف ساعة على الأقل في دول أخرى. هذا التراجع المخيف ضرب في العمق كتب الفكر والمعرفة والعلوم، في وقت نجد فيه إقبالاً منقطع النظير على استهلاك “الوجبات الرقمية السريعة” والمحتويات الترفيهية العابرة على منصات التواصل الاجتماعي، والتي باتت تلتهم وقت الشباب وتشتت تركيزهم.

المثير للاستغراب هو أن هذا الركود الثقافي يأتي في وقت شهدت فيه المدن المغربية توسعاً ملحوظاً في عدد المكتبات ونقاط بيع الكتب، لكن هذا التطور اللوجستيكي لم ينعكس على السلوك اليومي للمواطن. فالسوق الكتاب يعاني من ضعف القوة الشرائية الموجهة للثقافة، وغياب التحفيز الممنهج داخل الأسرة والمدرسة، مما جعل الكتاب يبدو في نظر الكثيرين “ترفاً” فكرياً وليس ضرورة حياتية.

ويرى مهتمون بالشأن الثقافي أن الأزمة هي نتاج تراكمات معقدة؛ تبدأ من هيمنة المحتوى الرقمي السطحي، مراراً بضعف السياسات العمومية المشجعة على القراءة، وصولاً إلى صعوبات تسويق الكتاب الجاد الذي يتطلب نفساً طويلاً وتركيزاً عالياً. وبينما تبدو الصورة قاتمة، يرى فاعلون أن الخروج من هذا النفق المظلم يمر حتماً عبر رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تعيد للاعتكاف على الكتب هيبته، من خلال دعم النشر الجاد، وتطوير البنيات التحتية الثقافية، وغرس بذرة القراءة في نفوس الناشئة منذ الصغر، باعتبارها استثماراً حقيقياً في الرأسمال البشري للمملكة.