لم تكن السيول الجارفة التي اجتاحت مدينة القصر الكبير في الثامن والعشرين من يناير الماضي مجرد حادث عابر، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى صمود المنظومة الصحية المحلية. فبعد أن غمرت المياه مستشفى القرب بالكامل وتسببت في توقف مرافقه الحيوية، لم يقف المسؤولون والأطر الطبية مكتوفي الأيدي أمام هذا الوضع الاستثنائي.
بسرعة قصوى، تحولت المدينة إلى خلية نحل؛ حيث تشكلت لجنة أزمة ضمت إدارة المستشفى ومسؤولي الصحة بالإقليم لتدارك الموقف. وبدلاً من الاستسلام لواقع «المستشفى الغارق»، تم اتخاذ قرار جريء بنقل الخدمات الأساسية فوراً إلى أحد المراكز الصحية بالمدينة، لضمان عدم انقطاع العلاج عن المواطنين في هذه اللحظات الحرجة.
وفي تصريح لافت، أكد مصطفى برمكي، رئيس المصالح الصحية بمستشفى القرب، أن فرق العمل نجحت في نقل وحدة الطوارئ وقسم الولادة إلى مقر بديل. النتائج كانت ملموسة على الأرض؛ فخلال ستة أيام فقط من العمل المتواصل، استقبلت الطوارئ البديلة ما بين 50 إلى 60 حالة يومياً، كما شهد القسم المؤقت نجاح عمليتي ولادة، مما أعاد الأمل للسكان وسط الركام والمياه.
الأمر لم يتوقف عند أسوار المراكز البديلة، بل امتد ليشمل مراكز الإيواء الخمسة التي احتضنت العائلات المنكوبة. هناك، انتشرت فرق طبية متنقلة لتقديم الفحوصات وتوزيع الأدوية، في خطوة تهدف إلى محاصرة أي تداعيات صحية قد تنتج عن الرطوبة أو تلوث المياه.
ورغم انتقال جزء من الطواقم الطبية إلى مدينة العرائش، إلا أن التنسيق لا يزال مستمراً من قلب القصر الكبير عبر مركز إداري يدير العمليات الميدانية. وتجوب سيارات الإسعاف المجهزة بفرق طبية متكاملة الأحياء والمناطق التي حاصرتها المياه، في سباق مع الزمن للوصول إلى كل من يحتاج المساعدة.
«الحمل ثقيل والمسؤولية جسيمة، لكننا لا يمكن أن نترك الساكنة تواجه مصيرها وحدها»، بهذه الكلمات لخص المسؤولون الطبيون فلسفة العمل الحالية، في انتظار إعادة تأهيل البنية التحتية للمستشفى المتضرر وعودة الأمور إلى مجراها الطبيعي.