24 ساعة

الصحراء المغربية.. هل اقتربنا من الفصل الأخير في صراع العقود؟

لم يعد الحديث عن ملف الصحراء المغربية اليوم مجرد اجترار لمواقف دبلوماسية كلاسيكية، بل نحن أمام مشهد يتشكل من جديد، مشهد عنوانه الأبرز هو ‘الحسم’. من يراقب ردهات الأمم المتحدة، وتحركات العواصم الكبرى، يدرك جيداً أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وأن النزاع المفتعل الذي استنزف طاقات المنطقة لعقود، دخل بالفعل في نفق النهاية، لكنه نفق يضاء هذه المرة باعترافات دولية صريحة وواقعية سياسية لا تقبل التأويل.

لقد نجحت الدبلوماسية المغربية، تحت قيادة هادئة ورصينة، في نقل الملف من خانة ‘إدارة النزاع’ إلى خانة ‘حل النزاع’. هذا التحول لم يأتِ بمحض الصدفة، بل كان نتيجة تراكمات استراتيجية بدأت منذ العودة القوية للاتحاد الإفريقي، مروراً بفتح القنصليات في العيون والداخلة، وصولاً إلى الموقف التاريخي للولايات المتحدة والتحول الجذري في الموقف الإسباني والفرنسي. هل يمكننا القول إن اللعبة انتهت؟ ربما من الناحية الواقعية نعم، لكن التفاصيل المتبقية هي التي ترسم ملامح الاستقرار المستقبلي للمنطقة ككل.

إن المتأمل في خارطة المواقف الدولية يرى بوضوح أن مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب في عام 2007 لم يعد مجرد ‘خيار مطروح للنقاش’، بل أصبح هو ‘القاعدة الوحيدة’ لأي حل مستدام. فالعواصم التي كانت تكتفي بعبارات ديبلوماسية رمادية، باتت اليوم تتسابق لتأكيد سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. هذا الزخم لم يترك لخصوم الوحدة الترابية سوى مساحات ضيقة للمناورة، وهي مساحات تتقلص يوماً بعد يوم مع تعاظم الاستثمارات الدولية في قلب الصحراء، وتحول مدن مثل الداخلة إلى قطب اقتصادي يربط إفريقيا بأوروبا.

ولكن، بعيداً عن لغة الأرقام والاتفاقيات، هناك بعد إنساني واجتماعي لا يمكن إغفاله. فالنموذج التنموي الذي أطلقه المغرب في أقاليمه الجنوبية غير وجه الحياة هناك. لم تعد القضية مجرد حدود وخرائط، بل هي قصة بناء ومستشفيات وجامعات وطرق سيارة تخترق الرمال لتربط العيون بالدار البيضاء. هنا يتساءل المرء: أليس التنمية هي أبلغ رد على دعوات الانفصال؟ حين يرى المواطن في الصحراء مستقبله يزدهر تحت راية وطنه الأم، تصبح كل الشعارات الأخرى مجرد صدى في وادٍ سحيق.

من جهة أخرى، يبدو أن الطرف الآخر في النزاع، وتحديداً الجارة الجزائر، تجد نفسها في زاوية حرجة. فالعزلة الدبلوماسية التي بدأت تلوح في الأفق، والإصرار على تبني أطروحات تجاوزها الزمن، يضع المنطقة أمام تحديات أمنية وسياسية. ومع ذلك، يظل المغرب متمسكاً بسياسة ‘اليد الممدودة’، ليس من باب الضعف، بل من باب المسؤولية التاريخية تجاه شعوب المنطقة التي سئمت من صراعات الحرب الباردة. إن استقرار منطقة الساحل والصحراء بات مرتبطاً بشكل عضوي بإنهاء هذا الملف، وهو ما تدركه القوى الكبرى جيداً في ظل التهديدات الإرهابية وتحديات الهجرة غير الشرعية.

إننا نعيش اليوم مرحلة ‘الوضوح الكامل’. لم يعد هناك مجال للمواقف المزدوجة. فإما أن تكون مع الاستقرار والواقعية السياسية، أو أن تظل سجين أوهام الماضي. والواقع يقول إن المغرب حسم المعركة على الأرض، وهو الآن يضع اللمسات الأخيرة على نصر دبلوماسي شامل. إنها لحظة فارقة في تاريخ المغرب المعاصر، لحظة تعيد صياغة دور المملكة كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في معادلة الأمن والتنمية بإفريقيا والمتوسط.

ختاماً، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه في صالونات السياسة: ما هي الخطوة القادمة؟ الأكيد أن المغرب لن يتوقف عند حدود الاعترافات الدبلوماسية، بل سيمضي قدماً في تكريس واقع جديد يجعل من الصحراء المغربية جسراً عالمياً للتجارة والطاقة. إنها رحلة من الصمود والذكاء السياسي، توشك أن تصل إلى محطتها الأخيرة، معلنةً طي صفحة من التوتر، وفتح فصل جديد من البناء والنماء.