24 ساعة

الرباط ومدريد.. قمة التناغم التاريخي ترسم ملامح عهد جديد في ‘ثغور’ الشمال

لم تعد العلاقة بين الرباط ومدريد مجرد اتصالات دبلوماسية عابرة أو تنسيق في ملفات ضيقة، بل أصبحت اليوم تجسيداً لما وصفه ناصر بوريطة وخوسيه مانويل ألباريس بـ ‘الذروة التاريخية’. هذا التحول الجذري ليس مجرد حبر على ورق، بل واقع يلمسه الجميع في سلاسة العبور عبر المكاتب الجمركية في ثغري سبتة ومليلية المحتلتين، حيث انتقلت الدولتان من تدبير الأزمات التقليدية إلى مأسسة فكر ‘الحدود الذكية’.

وعلى عكس سنوات التوتر الفائتة، يظهر التنسيق الأمني بين المغرب وجارته الشمالية كنموذج رائد عالمياً؛ إذ لم يعد الأمر يقتصر على ‘تعاون مناسباتي’ لمواجهة الهجرة غير النظامية، بل تطور ليصبح ‘شراكة أمنية هيكلية’. هذا التناغم جعل من محور (الرباط-مدريد) صمام أمان حقيقي ومستقر في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط، التي تعج بالتحولات الجيوسياسية المتسارعة والمخاطر الأمنية المعقدة.

أما لغة الأرقام، فهي تتحدث بوضوح عن حجم هذا التقارب؛ حيث قفز حجم المبادلات التجارية ليصل إلى قرابة 21 مليار يورو سنوياً. هذا الرقم لا يعكس فقط التبادل السلعي، بل يؤكد تحولاً في العقيدة الاقتصادية للبلدين، من مرحلة التبعية نحو ‘التكامل البنيوي’. لقد أصبحنا أمام قطب متوسطي للنمو، يتجاوز النظرة التقليدية (شمال-جنوب) ليخلق فضاءً اقتصادياً متكاملاً قادراً على جلب استثمارات نوعية وبناء تحالفات دولية وازنة.

ويبقى التحدي الأجمل والرهان الأكبر هو التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 رفقة البرتغال. هذا المشروع ليس مجرد حدث رياضي، بل هو تتويج لمسار طويل من التقارب السياسي والدبلوماسي. إنه مشروع ‘الدبلوماسية الناعمة’ الذي يسعى لرسم هوية إقليمية جديدة تنبني على الازدهار المشترك وتطوير البنية التحتية الطاقية والرقمية، بما يضمن تحويل التحديات إلى فرص حقيقية للتنمية المستدامة، ويعزز مكانة المنطقة كجسر حيوي وحيد يربط بين القارة السمراء والقارة العجوز.