في قلب العاصمة الرباط، وبنبرة تعكس ثقة متبادلة وتاريخا طويلا من التعاون، ترأس ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، لقاء ثنائيا مثمرا مع نظيره من جمهورية غينيا بيساو، جو برناردو فييرا. هذا اللقاء الذي جاء على هامش الاجتماع الوزاري حول السلم والأمن في الفضاء الفرنكوفوني، لم يكن مجرد مناسبة بروتوكولية عابرة، بل كان تجسيدا حيا لمسار دبلوماسي رصين يربط بين المملكة وجاراتها في القارة السمراء.
خلال المباحثات، استعرض الجانبان قوة العلاقات التاريخية المتينة، وهي الروابط التي بصم عليها الملك محمد السادس بزيارة تاريخية لبيساو في يونيو 2015. تلك الزيارة لم تكن مجرد محطة في أجندة دبلوماسية، بل اعتبرها بوريطة ‘نقطة تحول استراتيجية’ ضخت دماء جديدة في عروق التعاون الثنائي. واليوم، تضع الرباط وبيساو تفعيل الاتفاقيات الموقعة على رأس الأولويات، لفتح آفاق أرحب تتجاوز الأطر التقليدية نحو شراكة تنموية شاملة.
واللافت في تصريحات بوريطة عقب اللقاء، هو التأكيد المتجدد على ‘العقيدة المغربية’ في إدارة العلاقات الأفريقية؛ وهي عقيدة تقوم في جوهرها على احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. المغرب، ومن منطلق رؤية ملكية ثاقبة، يعبر عن ثقته الكاملة في قدرة القوى الحية بجمهورية غينيا بيساو على رسم مسار سياسي يحقق الاستقرار والازدهار، بعيدا عن أي تأثيرات خارجية، وبما يخدم تطلعات الشعب الغيني الصديق.
ولأن لغة العصر هي لغة المشاريع الكبرى، فقد كان اللقاء فرصة لتعميق النقاش حول المبادرات الملكية الاستراتيجية، وعلى رأسها ‘المبادرة الأطلسية’ الرامية لتمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط، بالإضافة إلى مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي الضخم. غينيا بيساو ليست مجرد طرف في هذه المشاريع، بل هي شريك أساسي يتقاسم مع المغرب طموحا قاريا مشتركا.
وفي ختام اللقاء، لم يفت الوزير المغربي توجيه عبارات التقدير والامتنان لغينيا بيساو على موقفها ‘الثابت والمبدئي’ في دعم مغربية الصحراء في كافة المحافل الدولية. هذا الدعم الذي يترجم عمق الوفاء بين البلدين، يؤكد أن الرباط وبيساو تمضيان جنبا إلى جنب في تنسيق دبلوماسي مستمر، سيتواصل بزخم أكبر في المواعيد المقبلة، لترسيخ نموذج فريد للتعاون جنوب-جنوب.