في الوقت الذي تستعد فيه الأسر المغربية لاستقبال ذكرى ‘عاشوراء’ بأجوائها الروحانية والاجتماعية المعتادة، تطل علينا ظاهرة ‘المفرقعات’ كشبح يهدد السكينة العامة ويحول الفرحة إلى مآسٍ حقيقية. وفي هذا السياق، وجهت المصالح الأمنية بمدينة الدار البيضاء ضربة موجعة لشبكات ترويج هذه المواد الخطيرة، في عملية تعكس يقظة استباقية لقطع الطريق أمام ما يمكن وصفه بـ ‘تجارة الموت’.
لقد نجحت عناصر الشرطة بمنطقة أمن الفداء مرس السلطان، بتنسيق وثيق مع مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، في وضع اليد على مستودع ضخم كان يضم آلاف الوحدات من المفرقعات والشهب الاصطناعية المهربة. لم تكن مجرد ألعاب نارية بسيطة، بل هي في الواقع مقذوفات قادرة على إحداث عاهات مستديمة أو إشعال حرائق لا تحمد عقباها، خاصة وأن بعضها يستخدم في سياقات ‘الألترات’ الرياضية والمناوشات العنيفة.
بدأت خيوط العملية بمعلومات دقيقة قادت إلى رصد تحركات مشبوهة، ليتم توقيف شخصين يشتبه في تورطهما المباشر في حيازة وترويج هذه المواد. وبحسب المعطيات الميدانية، فقد أسفرت عمليات التفتيش عن حجز ما يناهز 55 ألف وحدة من المفرقعات والشهب، كانت معدة للتوزيع في الأسواق الشعبية بالدار البيضاء، حيث يزداد الطلب عليها مع اقتراب العاشر من محرم.
لكن، هل القضية مجرد ‘تجارة غير مشروعة’؟ المتأمل في نوعية المحجوزات يدرك أننا أمام تحدٍ أمني واجتماعي مركب. فهذه المواد التي تدخل بطرق ملتوية عبر التهريب، تستهوي فئات عريضة من المراهقين والشباب الذين لا يدركون حجم الخطر الكامن في تلك الأسطوانات الملونة. كم من عين فُقدت؟ وكم من حريق اندلع في شقة سكنية بسبب ‘صاروخ’ طائش؟ إنها أسئلة تفرض نفسها بقوة كلما اقترب هذا الموعد السنوي.
إن المجهود الأمني المبذول في منطقة الفداء مرس السلطان لا يقتصر على الحجز المادي فقط، بل هو رسالة واضحة للمهربين بأن ‘المنافذ مغلقة’. وقد تم وضع المشتبه فيهما تحت تدبير الحراسة النظرية رهن إشارة البحث القضائي الذي تشرف عليه النيابة العامة المختصة، وذلك للكشف عن الامتدادات المحتملة لهذه الشبكة، والبحث عن مزودين آخرين قد يكونون بصدد إغراق مناطق أخرى من العاصمة الاقتصادية بهذه المواد.
ومن زاوية أخرى، يرى مراقبون أن المقاربة الأمنية، رغم أهميتها القصوى ونجاعتها، تظل بحاجة إلى سند مجتمعي. فالأسرة والمدرسة وجمعيات المجتمع المدني مطالبون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، برفع منسوب الوعي. فمن غير المعقول أن تتحول أزقة الدار البيضاء العريقة إلى ‘ساحات حرب’ افتراضية، يروع فيها الصغار والكبار تحت مسمى الاحتفال.
تأتي هذه العملية الأمنية الناجحة لتؤكد أن الدولة تضع سلامة المواطنين فوق كل اعتبار، وأن الاستراتيجية الاستباقية التي تنهجها المديرية العامة للأمن الوطني بدأت تؤتي ثمارها في تجفيف منابع هذه التجارة الخطيرة. ومع استمرار التحقيقات، يبقى الأمل معقوداً على أن يمر موسم عاشوراء هذا العام بهدوء، بعيداً عن دوي الانفجارات وصراخ الضحايا، لتظل الذكرى كما كانت دائماً: مناسبة للتراحم والتقاسم، لا للترويع والإصابات.