لم تعد أصابع الاتهام الموجهة للنظام الجزائري بمحاولة زعزعة استقرار منطقة الساحل مجرد استنتاجات سياسية، بل تحولت إلى شهادات ميدانية صارخة يصدح بها أبناء المنطقة. في هذا الصدد، خرج الكاتب والباحث المالي المتخصص في الشؤون الأفريقية، حمدي الجوارا، بتصريحات مثيرة كشف فيها أن المتمردين الذين استهدفوا بلاده في أبريل الماضي لم يأتوا من فراغ، بل تسللوا مباشرة عبر الحدود الجزائرية، مبدياً ذهوله من الإصرار المستمر لـ ‘نظام تبون’ على خلق بؤر التوتر في المنطقة.
وفي حديثه لجريدة ‘هيبا بريس’، أكد الجوارا أن تورط الجزائر بات مكشوفاً ولا غبار عليه، متسائلاً بمرارة عن الغاية الحقيقية من وراء هذه المخططات التي تستهدف دولاً مثل مالي والمغرب، وهي دول كان لها دور تاريخي مشهود في دعم استقلال الجزائر. هذا الخطاب يعكس شرخاً عميقاً في الثقة، حيث يرى الباحث المالي أن الجارة الشمالية لبلاده دأبت على ‘حشر أنفها’ في الشأن المالي ليس من أجل الحل، بل لغايات أمنية ذاتية.
ويرى الجوارا أن أحد الدوافع الرئيسية وراء هذا السلوك الجزائري هو الرغبة في التخلص من المجموعات الإرهابية التي نمت وترعرعت داخل أراضيها، عبر دفعها نحو شمال مالي لتصدير الأزمة بعيداً عن حدودها الداخلية. لكن الرياح لم تأتِ بما تشتهيه سفن المرادية، إذ يشير الباحث إلى أن مخاوف الجزائر من انفجار الأوضاع في جنوبها ‘المهمش’ لا تزال قائمة، حيث يرى سكان الجنوب الجزائري في أنفسهم ضحية لسياسات التهميش، مما يجعل المنطقة قابلة للانفجار في أي لحظة.
وبالعودة إلى التاريخ القريب، يوضح الجوارا أن ‘اتفاق تمنراست’ لعام 2015، الذي طالما تفاخرت به الدبلوماسية الجزائرية، لم يكن يعبر عن إرادة الشعب المالي، بل كان نتاج ضغوط دولية وفرنسية وجزائرية مكثفة على نظام الرئيس السابق إبراهيم بوبكر كيتا. هذا الاتفاق، حسب وصفه، كان بمثابة ‘تقسيم مؤجل’ لمالي، وهو ما أدى في النهاية إلى انتفاضة الشعب المالي في ثورة 2020 التي طالبت بإسقاط الاتفاق وكل ما ترتب عنه، الأمر الذي اعتبرته الجزائر ‘صفعة’ سياسية ردت عليها باحتواء المتمردين وتدريبهم.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل برزت معطيات ميدانية تشير إلى تورط جبهة ‘البوليساريو’ في هذه المعمعة. فقد نقلت شهادات عن سيدي المهدي أغ البكا، مدير المحطة الجهوية للإذاعة والتلفزيون المالي في كيدال، أكد فيها رصد تحركات لمقاتلين أجانب خلال الهجمات الأخيرة، من بينهم عناصر تنتمي لجبهة البوليساريو وأخرى قادمة من الجزائر وتشاد والسودان. هذا التنسيق العابر للحدود، حسب المراقبين، يهدف بوضوح إلى ضرب النسيج الاجتماعي المالي وإذكاء نعرات الانقسام، مما يضع المنطقة برمتها فوق صفيح ساخن.