24 ساعة

إمارة المؤمنين.. هندسة الأمن الروحي وصناعة نموذج مغربي عابر للحدود

في حلقة استثنائية من بودكاست “هبة” الذي يبثه موقع “هبة بريس”، قدم الدكتور عبد النبي عيدودي، الباحث في الشؤون السياسية والدينية، قراءة تحليلية رصينة ومبسطة لمسار إصلاح الحقل الديني في المغرب. بعيداً عن لغة التقارير الإدارية الجافة، غاص عيدودي في تفكيك مشروع الدولة الذي أعاد هندسة الفضاء الديني وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى، جاعلاً من مؤسسة “إمارة المؤمنين” قلب هذا التحول الاستراتيجي.

لم يكتفِ عيدودي بالنظر إلى إمارة المؤمنين كإرث تاريخي للبيعة، بل اعتبرها مؤسسة دستورية حيوية تضمن وحدة المرجعية الدينية. وفي ظل عالم مضطرب وتحديات جيوسياسية متلاحقة، تحولت هذه المؤسسة إلى “صمام أمان” حقيقي يحمي الثوابت المغربية من التسييس، ويحصن الفضاء الديني من فوضى الفتاوى أو الاستغلال الأيديولوجي. هذا التجسيد الدستوري، في شخص الملك محمد السادس، يجمع بين الشرعية التاريخية والشرعية الدستورية، مما يمنح المغرب استقراراً فريداً.

ويرى الباحث أن ورش إصلاح الحقل الديني لم يكن مجرد رد فعل عابر على أحداث معزولة، بل كان تعبيراً عن وعي مبكر بضرورة تحصين “الأمن الروحي” للمغاربة. ومن هنا، تم هيكلة المجالس العلمية، وتعزيز دور المجلس العلمي الأعلى كجهة وحيدة ومخولة بإصدار الفتوى، مما وضع حداً لتعدد المرجعيات الذي كان يهدد بتمزيق الخطاب الديني.

ومن أبرز ملامح هذا النموذج، تأسيس “معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات”. هذا المعهد، كما يؤكد عيدودي، تجاوز حدود التكوين التقليدي ليشمل العلوم الاجتماعية ومهارات التواصل ومواجهة التطرف، مع التمسك بالثوابت المغربية (المذهب المالكي، العقيدة الأشعرية، والتصوف السني). واليوم، لم يعد هذا المعهد يقتصر على المغاربة فحسب، بل صار قبلة لطلبة من إفريقيا وأوروبا، مما يعكس الأبعاد الدبلوماسية الدينية للمغرب.

وعلى المستوى الدولي، أصبح التجربة المغربية مرجعاً ملهماً. ففي دول الساحل الإفريقي، يقود المغرب تعاوناً دينياً يرتكز على تكوين الأئمة ونشر خطاب الاعتدال. أما في أوروبا، فيقدم النموذج المغربي سنداً للجاليات المسلمة، يساعدها على الاندماج في مجتمعاتها مع الحفاظ على هويتها الأصيلة.

يختتم عيدودي تحليله بالتأكيد على أن سر مرونة هذا النموذج تكمن في قدرته على التكيف مع العصر دون التنازل عن الثوابت. وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، يبقى الرهان اليوم على تطوير آليات التواصل في الفضاء الافتراضي، الذي تحول إلى ساحة مركزية لتشكيل الوعي الديني. إن ما راكمه المغرب على مدار عقدين ليس مجرد حداثة إدارية، بل هو إعادة تعريف لدور الدين في الفضاء العام، ضمن نموذج متماسك يجمع بين الأصالة والمعاصرة.