يبدو أن تداعيات الحرب في أوكرانيا لم تتوقف عند حدود المدافع والسياسة، بل امتدت لتضرب في عمق العصب المحرك للدولة؛ ‘الموارد البشرية’. ففي ظل نزيف حاد في اليد العاملة، بدأت كييف ترسم ملامح استراتيجية جديدة تضع العمالة الأجنبية، وخصوصاً الكفاءات المغربية، ضمن أولوياتها القصوى لانتشال اقتصادها من حالة الركود والخصاص الذي فرضته الظروف الراهنة.
وحسب ما تناقلته تقارير إعلامية أوكرانية رصينة، فإن السلطات في كييف تدرس بجدية بالغة تقديم تسهيلات غير مسبوقة في إجراءات الهجرة والعمل. الهدف من هذه الخطوة ليس مجرد ملء فراغات عابرة، بل تلبية حاجة ماسة لـ ‘جيش’ من العمال يقدر بنحو مليوني فرد، وهو الرقم الذي تراه الحكومة ضرورياً لإعادة تشغيل المصانع، وترميم البنية التحتية، وتحريك عجلة قطاعات حيوية باتت تعاني الأمرين بسبب النقص المهول في السواعد.
هذه الخطوة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة واقع ميداني فرضته سنوات من النزاع، حيث غادرت نسبة كبيرة من اليد العاملة المحلية أو انخرطت في مهام أخرى، مما ترك فراغاً مهولاً في مجالات التقنية، البناء، والصناعة. ومن هنا، يبرز التوجه الأوكراني نحو تبني سياسات أكثر مرونة وانفتاحاً، تهدف إلى إغراء المهنيين الأجانب للالتحاق بسوق الشغل الأوكرانية التي أصبحت اليوم في أمس الحاجة إلى دماء جديدة.
والمثير للاهتمام في هذه الخطة هو ‘الرهان’ الأوكراني الواضح على اليد العاملة المغربية. فالمسؤولون هناك لا ينظرون إلى العامل المغربي كمجرد رقم في معادلة الشغل، بل كقيمة مضافة أثبتت جدارتها في مختلف الأسواق الدولية. فالسمعة الطيبة التي يحظى بها المهنيون والتقنيون المغاربة في أوروبا، وخبرتهم المتراكمة في التعامل مع بيئات عمل متنوعة، جعلت من ‘البروفايل’ المغربي خياراً مغرياً لكييف التي تبحث عن الكفاءة والالتزام.
وتتوقع المصادر أن تشمل التسهيلات المرتقبة تبسيطاً كبيراً في مساطر الحصول على تأشيرات العمل، وتقليص التعقيدات الإدارية والبيروقراطية التي كانت في السابق تشكل عائقاً أمام المهاجرين. إنها، باختصار، محاولة لإعادة صياغة قوانين الهجرة بما يخدم مصلحة الاقتصاد الأوكراني، وفي نفس الوقت يفتح آفاقاً جديدة أمام الكفاءات المغربية الباحثة عن فرص مهنية في تخصصات تقنية ومهنية دقيقة.
ختاماً، يبقى السؤال المطروح: هل ستنجح هذه التسهيلات في جذب الشباب المغربي نحو بلاد تعيش وضعاً استثنائياً؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالكشف عن مدى استجابة ‘بورصة الشغل’ لهذه المتغيرات، لكن المؤكد هو أن أوكرانيا وضعت أوراقها على الطاولة، والمغرب حاضر بقوة في حسابات ‘الإنقاذ’ الاقتصادي لكييف.