عاشت جهة الشرق على وقع انفراجة مناخية طال انتظارها، حيث أعادت التساقطات المطرية الأخيرة النبض إلى شرايين القطاع الفلاحي، بعد فترات قاسية من الجفاف أرهقت كاهل المزارعين واستنزفت الموارد المائية. هذه الأمطار، التي تزامنت مع انطلاقة الموسم الفلاحي 2025-2026، لم تكن مجرد أرقام في سجلات الأرصاد الجوية، بل كانت بمثابة طوق نجاة لآلاف الأسر التي تعيش على خيرات الأرض.
الأرقام المسجلة تعكس بوضوح حجم التغيير الإيجابي؛ فقد تصدر إقليم الناظور القائمة بتسجيله 210 ملم، متبوعاً ببركان بـ 182 ملم، ووجدة-أنكاد بـ 184 ملم. وبمعدل عام ناهز 159 ملم على صعيد الجهة، سجلت المنطقة قفزة نوعية بزيادة قدرها 105% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. والأهم من كمية الأمطار هو «انتظامها الزمني»، خاصة خلال شهور دجنبر ويناير وبداية فبراير، مما أتاح للفلاحين العمل في ظروف مثالية.
هذا الكرم السماوي انعكس فوراً على الأرض، حيث توسعت المساحات المزروعة بالحبوب الخريفية (القمح اللين، القمح الصلب، والشعير) لتصل إلى أزيد من 115 ألف هكتار، بزيادة مذهلة بلغت 77% عن الموسم الفارط. ولم يتوقف الأمر عند الحبوب، بل امتد ليشمل القطاني والكلأ، ليرتفع إجمالي المحاصيل الخريفية إلى نحو 128,567 هكتاراً، وهي أرقام تترجم عودة الثقة للفلاح الشرقاوي.
وفي خطوة تعكس الوعي بضرورة التكيف مع التغيرات المناخية، برزت تقنية «الزرع المباشر» كخيار استراتيجي بالجهة، حيث ارتفعت المساحات المغطاة بهذه التقنية لتصل إلى 2,785 هكتاراً مدعومة بتوفير 35 آلة زرع مخصصة لهذا الغرض. كما انتعشت مبيعات البذور المختارة والأسمدة، مما يشير إلى أن الفلاحين استعادوا حماسهم للاستثمار في أراضيهم.
الأشجار المثمرة من زيتون ولوز وحمضيات نالت نصيبها من هذه الانتعاشة، حيث ساهمت موجات البرد والأمطار في تجويد الإنتاج المرتقب. وحتى في المناطق الرعوية كفكيك وجرادة، ورغم أن الكميات كانت أقل نسبياً، إلا أنها كانت كافية لتوفير غطاء نباتي يخفف عن الكسابة عبء شراء الأعلاف المركزة.
ختاماً، ورغم أن علامات التفاؤل ترتسم اليوم على وجوه فلاحي جهة الشرق، إلا أن الجميع يدرك أن استمرارية هذا النجاح تظل رهينة بانتظام التساقطات في فصلي الشتاء والربيع. يبقى التحدي الحقيقي هو مواصلة تبني الحلول المستدامة وتقنيات السقي المبتكرة لضمان صمود هذا القطاع الحيوي أمام تقلبات المناخ التي لم تعد ترحم.