مع كل ‘دقة’ تقترب بنا من موعد عيد الأضحى المبارك، يعود إلى الواجهة ذلك النقاش الأزلي في المقاهي والبيوت المغربية حول ‘ثمن الحولي’. لكن هذا العام، يبدو أن الجدل لم يعد مقتصرًا فقط على غلاء الأسعار، بل امتد ليشمل ‘طريقة البيع’ نفسها؛ فبين ‘الرحبة’ التقليدية التي يحكمها منطق ‘العين ميزانك’ ومهارات ‘الشطارة’، وبين الأسواق الممتازة التي ترفع شعار ‘الكيلوغرام هو الفيصل’، يجد المستهلك المغربي نفسه أمام خيارين يفرضان واقعاً جديداً على طقوسنا السنوية.
لقد لوحظ في السنوات الأخيرة تحول تدريجي، وإن كان لا يزال محصوراً في فئات معينة، نحو نقاط البيع التي تعتمد نظام ‘الميزان’. هذا التوجه ليس مجرد صرعة عابرة، بل هو تعبير عن رغبة دفينة لدى المواطن في تحقيق نوع من الشفافية والعدالة. فالمؤيدون لهذه الفكرة يرون أن البيع بالوزن يقطع الطريق على ‘الشناقة’ والمضاربين الذين يتحكمون في بورصة الأسواق الشعبية، حيث يضمن الميزان للمشتري أن ما يدفعه من دراهم يوازي تمامًا وزن الأضحية، بعيدًا عن خدع الصوف الكثيف التي قد تخفي تحتها خروفًا هزيلاً.
في المقابل، لا تزال ‘الرحبة’ والأسواق الأسبوعية، خاصة في المناطق القروية، تقاوم هذا التغيير بشراسة. هناك، لا يعتبر البيع مجرد عملية تجارية جافة، بل هو طقس اجتماعي بامتياز يبدأ بمعاينة ‘الأسنان’ وينتهي بـ’المصافحة’ الشهيرة بعد جولات ماراثونية من المفاوضات. يرى الكثيرون أن ‘بركة’ العيد ترتبط بهذا التفاعل الإنساني التقليدي، وأن تحويل الأضحية إلى مجرد ‘لحم بالوزن’ قد يفقدها رمزيتها الدينية والروحية التي توارثناها جيلاً بعد جيل.
من الناحية التنظيمية والشرعية، يطرح تعميم نظام الميزان تساؤلات معقدة. فبينما يسهل ضبط الموازين في المساحات التجارية الكبرى تحت مراقبة صارمة، يبدو الأمر تحدياً لوجستياً في الأسواق المفتوحة. أما من الجانب الفقهي، فالأصل في الأضحية هو بلوغ السن القانونية والسلامة من العيوب، وهو ما يجعله أمراً منفصلاً تماماً عن وسيلة تحديد الثمن، سواء كان بالقطعة أو بالكيلوغرام.
بين هذا وذاك، يبقى ‘البيع بالميزان’ خياراً مطروحاً يعكس تطور عقلية الاستهلاك في المغرب، لكنه لم يتحول بعد إلى قاعدة عامة. ويبدو أننا سننتظر لسنوات أخرى قبل أن نرى ‘الميزان’ يزيح ‘العين’ من عرشها في أسواق الأغنام، في ظل محاولة التوفيق بين الحداثة التنظيمية والحفاظ على عبق التقاليد المغربية الأصيلة.