يبدو أن لغة الحوار بين وزارة العدل وأصحاب البدلات السوداء قد وصلت إلى طريق مسدود، حيث قرر المحامون المغاربة نقل معركتهم من قاعات الجلسات إلى ساحات الاحتجاج. في خطوة تصعيدية تعكس حجم الاحتقان داخل منظومة العدالة، أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب عن خوض إضراب شامل وتوقف تام عن ممارسة مهام الدفاع، تعبيراً عن رفضهم القاطع للمسار الذي تتخذه التشريعات الجديدة.
هذا الغضب المهني ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تراكمات يرى فيها المحامون تهميشاً لدورهم الجوهري في حماية الحقوق والحريات. وتأتي هذه الاحتجاجات رداً على مقتضيات مشروع قانون المسطرة المدنية وكذا المسطرة الجنائية، التي يعتبرها أصحاب المهنة “تراجعاً خطيراً” يمس بضمانات المحاكمة العادلة ويقيد ولوج المواطنين إلى القضاء. إنها معركة كسر عظم حقيقية، حيث يرى المحامون أن الوزارة الوصية تنفرد بالقرار وتتجاهل المقاربة التشاركية في صياغة قوانين ستشكل وجه العدالة في المغرب لسنوات قادمة.
ولم يكتفِ المحامون بالتوقف عن العمل، بل امتدت حركتهم لتشمل مقاطعة الصناديق والجلسات، في رسالة واضحة مفادها أن إصلاح منظومة القضاء لا يمكن أن يمر فوق جثث المكتسبات المهنية. وفي ردهات المحاكم، يسود صمت مطبق يقطعه فقط نقاش المحامين حول “تغول” السلطة التنفيذية على مهنة تعتبر نفسها حصناً منيعاً للديمقراطية.
بين إصرار الوزير عبد اللطيف وهبي على المضي قدماً في أجندته التشريعية، وتمسك المحامين بملفهم المطلبي، يظل المتقاضي هو الحلقة الأضعف في هذا الصراع. ومع ذلك، يؤكد المحامون أن نضالهم اليوم هو في العمق دفاع عن المواطن قبل المهني، مشددين على أن أي مساس باستقلالية الدفاع هو مساس مباشر بالعدالة الاجتماعية. فهل ستنجح هذه الضغوط في دفع الحكومة إلى مراجعة أوراقها، أم أن التصعيد سيفتح الباب أمام أزمة قضائية أعمق؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.