في الوقت الذي تكتوي فيه جيوب المواطنين بنيران أسعار المحروقات التي لا تتوقف عن الارتفاع، متأثرةً بالتوترات الجيوسياسية المشتعلة في الشرق الأوسط، يعود ملف ‘أسطول سيارات الدولة’ ليطفو على السطح كقضية رأي عام بامتياز. هذا الملف الذي كان لسنوات مجرد رقم في التقارير الرقابية، بات اليوم يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى قدرة المالية العمومية على تحمل أعباء هذا الأسطول الضخم.
تشير الأرقام المتداولة في تقارير رسمية إلى أن حظيرة السيارات المملوكة للدولة تضم حوالي 115 ألف مركبة، تتوزع بين الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العامة. هذه ‘الجيوش’ من السيارات تبتلع سنوياً نحو 309 مليار سنتيم من ميزانية الدولة، ما بين وقود وصيانة وتأمين. ومع تقلبات أسعار الطاقة العالمية، يبدو أن هذا الرقم مرشح للزيادة إذا لم يتم تدارك الموقف بحلول جذرية.
لكن المشكلة ليست فقط في العدد، بل في ‘التدبير’. فتقارير التدقيق لطالما نبهت إلى اختلالات صارخة، مثل استخدام سيارات المصلحة في أغراض شخصية خارج أوقات العمل الرسمية، وهو ما يعني استنزافاً مباشراً للمال العام دون أي مسوغ إداري. وفي ظل غياب نظام رقمي موحد وشفاف لتتبع استهلاك كل مركبة على حدة، تظل فاتورة الوقود بمثابة ‘ثقب أسود’ يمتص الميزانيات.
اليوم، تتعالى أصوات تطالب بتبني سياسة تقشف حقيقية، لا تكتفي بوضع الشعارات بل تنتقل إلى الميدان. الاقتراحات تبدو واضحة: تقليص الحظيرة، فرض الرقابة الصارمة عبر أنظمة تحديد المواقع (GPS)، والتوجه نحو سيارات اقتصادية أو كهربائية في التنقلات الحضرية لتقليل تكاليف الوقود. ومع ذلك، يظل التساؤل المثير للقلق هو: لماذا لم تتلقَّ الإدارات العمومية، حتى بعد مرور أكثر من شهر على تفاقم أزمة المحروقات، أي تعليمات أو دوريات صارمة توجهها نحو ترشيد الاستهلاك؟
إن استمرار بعض السلوكيات السلبية في استعمال سيارات الدولة يطرح علامة استفهام كبرى حول الجدية في التعامل مع هذا الملف. فلم يعد إصلاح هذا القطاع مجرد ‘رفاهية إدارية’، بل ضرورة تفرضها ظروف التوازن المالي وروح ربط المسؤولية بالمحاسبة. هل ستتحرك الآلة الإدارية لوقف هذا النزيف، أم سننتظر ميزانية قانون مالية جديد لنرى إن كانت ستنتصر لسياسة ‘الترشيد’ على حساب ‘الاستهلاك المفرط’؟