لم يكن أحد يتوقع أن تتحول أروقة ‘صندوق الإيداع والتدبير’ (CDG) في الرباط إلى محور حديث النقابات العمالية في العاصمة الإسبانية مدريد، لكن الواقع الاقتصادي المتشابك فرض نفسه بقوة. نحن اليوم أمام مشهد معقد بطله مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليون يورو، عالق بين حسابات بنكية وإجراءات إدارية، بينما يترقب آلاف العمال في قطاع النظافة بمدريد مصير لقمة عيشهم.
القصة بدأت تتكشف خيوطها حينما وجد عمال النظافة في العاصمة الإسبانية أنفسهم في مواجهة شبح ‘تجميد الرواتب’ وتعثر المزايا الاجتماعية، والسبب ليس عجزاً في ميزانية بلديتهم، بل هو احتجاز هذا المبلغ الضخم من طرف الذراع الاستثماري للدولة المغربية. ولكن، كيف وصل مال ‘مدريد’ إلى خزائن ‘الرباط’؟ وكيف تحول استثمار مالي إلى أزمة اجتماعية عابرة للحدود؟
تكمن العقدة في هيكلية الشركات المشغلة؛ حيث ترتبط بعض المقاولات الفائزة بعقود النظافة في مدريد بشراكات أو ضمانات مالية تمر عبر قنوات تابعة لصندوق الإيداع والتدبير. ومع تصاعد حدة المطالب العمالية في إسبانيا، برز السؤال الجوهري: لماذا يرفض الصندوق الإفراج عن هذه السيولة في وقت حساس كهذا؟
المراقبون للشأن المالي يرون أن الأمر قد يتجاوز مجرد ‘بيروقراطية’ معتادة. فالمبلغ، الذي يقارب ملياري درهم مغربي، يمثل ثقلاً وازناً في ميزان المعاملات البينية. وفي حين تلتزم الجهات الرسمية في الصندوق بنوع من الصمت الحذر، تضج الصحافة الإسبانية بتقارير تتحدث عن ‘احتجاز غير مبرر’ يهدد السلم الاجتماعي في واحدة من أكبر عواصم أوروبا. هل هي مناورة قانونية لحماية استثمارات معينة؟ أم أن هناك تعقيدات في بنود العقود المبرمة لم تظهر للعلن بعد؟
إن ما يحدث اليوم يضع ‘صندوق الإيداع والتدبير’ تحت مجهر المساءلة الدولية، ليس فقط من زاوية الربح والخسارة، بل من زاوية ‘المسؤولية الاجتماعية’ للاستثمارات العابرة للقارات. فالعامل البسيط الذي يجوب شوارع مدريد فجراً، لا يعنيه كثيراً صراع الأرقام في الموازنات، بقدر ما يعنيه وصول أجره في موعده. وتأخر صرف هذه المستحقات يعني ببساطة تعطل حياة آلاف الأسر.
وعلى الجانب الآخر، يرى بعض المحللين الاقتصاديين أن الصندوق المغربي قد يكون بصدد مراجعة شاملة لضماناته المالية في ظل تقلبات السوق الأوروبية، وهو ما قد يتطلب وقتاً إضافياً للتدقيق. لكن هذا التفسير ‘التقني’ لا يبدو مقنعاً للنقابات الإسبانية التي بدأت بالفعل في التلويح بخطوات تصعيدية قد تصل إلى القضاء الدولي إذا لم يتم فك الحصار عن الـ 200 مليون يورو.
من المثير للتأمل كيف يمكن لقرار مالي يتخذ في مكتب مكيف بالرباط أن يشعل فتيل احتجاجات في ساحة ‘بورت دي سول’ بمدريد. إنها ضريبة العولمة الاقتصادية التي جعلت المصالح متشابكة إلى حد لا يمكن معه فصل السياسي عن المالي أو المحلي عن الدولي.
ويبقى التساؤل المعلق في فضاء العلاقات المغربية الإسبانية: هل ستتدخل الدبلوماسية الاقتصادية لطي هذا الملف بعيداً عن ردهات المحاكم؟ الأيام القادمة ستكشف ما إذا كان الصندوق سيختار لغة ‘المرونة’ أم سيتمسك بموقفه الحالي، مع ما يترتب على ذلك من كلفة سياسية وسمعة استثمارية قد تتجاوز قيمتها بكثير مبلغ الـ 200 مليون يورو العالق.