باتت كلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بمدينة فاس في قلب عاصفة من الانتقادات، بعدما تحولت التداريب السريرية لطلبة طب الأسنان إلى مصدر قلق حقيقي يهدد مستقبلهم المهني. فبعدما علق الطلبة آمالهم على مستشفى عمر الإدريسي كفضاء محوري لصقل مهاراتهم، اصطدموا بواقع مرير يغيب فيه أدنى شروط التكوين العملي الميداني.
وتكشف المعطيات الميدانية، التي استقتها مصادر من داخل الكلية، أن الوعود التي قُدمت لتوفير بيئة تدريب ملائمة ظلت حبرا على ورق. فبمجرد دخولك إلى الفضاء المخصص للتداريب، تكتشف حجم الكارثة: بنيات تحتية متهالكة، وتجهيزات عفا عنها الزمن، فضلا عن طاقة استيعابية هزيلة لا تكاد تكفي لعدد محدود من الطلبة، مما يجعل من تلقي تكوين تطبيقي سليم أمرا مستحيلا في ظل هذه الظروف.
هذا الوضع لم يعد يقتصر على كونه مشكلة تدبيرية عابرة، بل تحول إلى ناقوس خطر يدق أبواب المسؤولين. فكيف يمكن لطلبة تخصص دقيق كطب الأسنان أن يمارسوا مهامهم مستقبلا دون أن يلمسوا مريضاً أو يستخدموا أجهزة حديثة؟ إن تخريج دفعات تفتقر إلى الحد الأدنى من التجربة السريرية يضع جودة الخدمات الصحية وسلامة المواطنين على المحك في السنوات المقبلة.
أمام هذا المشهد القاتم، تعالت أصوات الطلبة وبعض المهتمين بالشأن الصحي مطالبة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، إلى جانب السلطات الصحية، بالتدخل العاجل. فالمطلوب اليوم ليس مجرد مسكنات أو وعود جديدة، بل تأهيل حقيقي وشامل للمرافق المخصصة للتدريب، وترجمة الالتزامات إلى مشاريع ملموسة تضمن للطلبة تكويناً يضاهي المعايير المهنية المطلوبة.
إن الرهان اليوم يتجاوز حدود الكلية ليلامس مستقبل المنظومة الصحية ككل في بلادنا، فالحفاظ على جودة التكوين الطبي هو الضامن الأول لخدمات صحية نوعية في المستقبل. فهل ستتحرك الأطراف المعنية قبل أن تتفاقم الأزمة وتضيع سنوات أخرى من عمر التكوين الطبي بفاس؟