24 ساعة

أبعد من مجرد شعائر.. كيف يربي الحج أرواحنا على الإخلاص والتفويض لله؟

في كل عام، تتجه قلوب الملايين وأبصارهم نحو بيت الله الحرام، ليس فقط لأداء مناسك بدنية اعتادها الناس، بل بحثاً عن صفاء روحي يعيد صياغة علاقة الإنسان بخالقه من جديد. إن الحج، بما يحمله من دلالات عميقة، يمثل مدرسة ربانية كبرى لترسيخ قيمتين أساسيتين هما روح وجوهر الدين: الإخلاص لله والتفويض الكامل لمشيئته سبحانه.

إن المتأمل في آيات الذكر الحكيم يجد قوله تعالى: ‘وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ’. ومن هنا يبدأ جوهر الرحلة؛ فالمقصود من الوقوف بعرفات، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمرات، ليس مجرد حركات آلية، بل هو استحضار لعظمة الخالق وتدريب عملي للنفس على الاستجابة لأوامره بقلب خاشع ومطمئن. إن تخصيص مكان وزمان محددين لهذه العبادات يعلم المؤمن أن كمال الإيمان يكمن في التسليم لله، واليقين بأن في تدبيره كل الخير.

هذه الرحلة الروحية، كما نعيش تفاصيلها، لا تمر دون أثر ملموس على السلوك؛ فهي صقل للأخلاق وتزكية للنفوس من شوائب الأنانية. ومن أجمل الثمرات التي يطمح إليها كل قاصد لتلك البقاع الطاهرة، ما بشّر به النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: ‘من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه’. هذه العودة إلى ‘الفطرة البيضاء’ تتطلب صبراً ومجاهدة، وترفعاً عن الجدال العقيم والمخاصمة، وتحلياً بجميل الخصال التي تجعل من الحاج إنساناً مصلحاً يفيض نفعاً على مجتمعه.

وفي السياق ذاته، لا تتوقف مقاصد الحج عند حدود مكة المكرمة، بل هي دعوة مفتوحة لكل مسلم، في كل زمان ومكان، لتحقيق مقام ‘الإحسان’؛ وهو أن نعبد الله كأننا نراه. التقوى هي ‘خلاصة القول’ وثمرة العبادات، وهي الدرع الذي يحمي المسلم من الزلل، واللباس الذي يستر العيوب الظاهرة والباطنة. فالمسلم الحقيقي هو من يترجم عبادته إلى حسن جوار، وصدق في المعاملة، وترفع عن أذى الخلق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم.

ختاماً، وفي هذه الأيام المباركة، نبتهل إلى الله أن يرزقنا صدق الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعلنا ممن يفوضون أمورهم إليه بيقين الصادقين. كما نسأله سبحانه أن يحفظ بلادنا المغرب، بلداً آمناً مطمئناً، وأن ينصر أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصراً عزيزاً تعز به الدين وتجمع به كلمة المسلمين، وأن يقر عينه بولي عهده الأمير مولاي الحسن، ويشد عضده بشقيقه الأمير مولاي رشيد، وكافة الأسرة الملكية الشريفة. كما نتضرع إليه أن يتغمد برحمته الواسعة الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني، ويجعل مثواهما في أعليين مع الصديقين والشهداء.