في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في كيفية تعامل القوى العظمى مع الأزمات الصحية العابرة للحدود، أعلنت الإدارة الأمريكية عن سياسة جديدة تتسم بصرامة غير مسبوقة تجاه مواطنيها المعرضين لخطر الإصابة بفيروس ‘إيبولا’ القاتل. واشنطن، التي كانت دائماً تفتخر بقدرتها على إجلاء مواطنيها من أي بقعة في العالم، قررت هذه المرة إنشاء ‘حاجز وقائي’ بعيداً عن حدودها بآلاف الأميال.
وفقاً لما كشف عنه مسؤولون كبار في إدارة الرئيس دونالد ترامب، فقد تقرر تشييد منشأة حجر صحي متطورة داخل قاعدة ‘لايكيبيا’ الجوية، الواقعة في مدينة نانيوكي الكينية. هذه المنشأة لن تكون مجرد مركز طبي عابر، بل هي وجهة إجبارية للمواطنين الأمريكيين الذين تعرضوا لخطر العدوى بالفيروس في القارة السمراء، طالما لم تظهر عليهم أعراض المرض بعد.
المثير في هذا القرار، والذي أثار جملة من التساؤلات الأخلاقية والقانونية، هو ‘البروتوكول الصارم’ الذي سيُطبق في حال تأكدت الإصابة. فخلافاً لما كان معمولاً به في السابق، لن يُسمح لأي مواطن أمريكي تظهر عليه أعراض ‘إيبولا’ داخل مركز الحجر الكيني بالعودة إلى الأراضي الأمريكية لتلقي العلاج. وبدلاً من ذلك، سيتم نقله إلى ‘دولة ثالثة’ لم يُفصح عن هويتها، في تحول دراماتيكي عن السياسات التي اتبعتها واشنطن خلال تفشي الوباء عام 2014.
هذا التوجه الجديد يمثل قطيعة واضحة مع الماضي؛ فخلال أزمة 2014، كانت الولايات المتحدة تبذل قصارى جهدها لإعادة مواطنيها المصابين وتوفير الرعاية الطبية لهم في مستشفيات متخصصة داخل البلاد. أما اليوم، فيبدو أن مفهوم ‘الأمن الصحي القومي’ قد اتخذ منحىً أكثر راديكالية، حيث تضع الإدارة الحالية حماية الداخل الأمريكي كأولوية مطلقة، حتى لو كان الثمن بقاء مواطنيها في ‘منفى صحي’ بعيداً عن عائلاتهم ووطنهم.
المراقبون يرون أن هذه الخطوة لا تعكس فقط مخاوف صحية، بل تحمل في طياتها أبعاداً سياسية تتماشى مع نهج ‘أمريكا أولاً’، وهو ما يضع الالتزامات المعنوية للدولة تجاه أفرادها في الميزان أمام تحديات الأوبئة الفتاكة التي لا تعترف بالحدود الجغرافية.