24 ساعة

ناقوس خطر في وجدة: فقر الدم «يغزو» ثلث مرضى المستشفى الجامعي

لم يعد فقر الدم (الأنيميا) مجرد عرض عابر يربطه الناس بنقص الحديد أو سوء التغذية، بل تحول إلى “مرآة” تكشف واقعاً صحياً واجتماعياً معقداً داخل أسوار المستشفى الجامعي محمد السادس بوجدة. هذه الحقيقة ليست مجرد استنتاج عابر، بل هي صرخة علمية أطلقها فريق بحثي من كلية الطب والصيدلة بوجدة، دقت ناقوس الخطر حول تفشي هذه الظاهرة بين أروقة المستشفى.

الأرقام التي حملتها الدراسة، المنشورة في مجلة “Epidemiologia” الدولية في مارس 2026، صادمة بكل المقاييس؛ إذ أظهرت أن 30.3% من المرضى، من عينة شملت 446 شخصاً، يعانون من فقر الدم. وما يثير الانتباه هنا هو تهاوي الصورة النمطية التي تربط المرض بالنساء فقط؛ فقد تقاربت النسب بشكل لافت بين الجنسين، حيث بلغت لدى الرجال 31.9% مقابل 28.4% لدى النساء، ما يرجح أن بيئة المستشفى بحد ذاتها تلعب دوراً في تفاقم هذه الحالات.

الواقع يظهر أن فقر الدم يرافق الأمراض المزمنة بظلاله الثقيلة؛ فالدراسة التي أشرف عليها كل من الدكاترة نوال وهبي، خالد سراج أندلسي، وحبيبة بن ناصر علوي، كشفت أن 80% من مرضى القصور الكلوي، و43.6% من مرضى ضغط الدم، و38.6% من مرضى السكري يعانون من هذه الحالة. كما سجلت أقسام جراحية وغير متخصصة، مثل أمراض الرئة ووحدة الحروق، مستويات مرتفعة، مما يؤكد وجود “حالات خفية” لا يتم الانتباه إليها وسط ضغط العمل اليومي.

من الناحية المختبرية، يبتعد هذا النوع من الأنيميا عن التفسير البسيط، ليصنف ضمن “فقر الدم الالتهابي” المرتبط بآليات مناعية ووظيفية تعيق إنتاج خلايا الدم الحمراء. وإذا أضفنا إلى ذلك الجانب الاجتماعي، نجد صورة قاتمة؛ فقرابة نصف المرضى (49.8%) يعانون من الأمية، و71.5% عاطلون عن العمل، بينما يواجه 19.1% منهم المرض دون أي تغطية صحية.

إن هذه النتائج تضع صناع القرار أمام مسؤولية تحديث السياسات الصحية الإقليمية. فالدراسة تقترح خارطة طريق واضحة تبدأ بإدراج فحص فقر الدم كإجراء إجباري عند دخول المستشفى، خاصة لكبار السن، واعتماد استراتيجية “تدبير دم المريض” (PBM) لتقليل التكاليف ورفع جودة الرعاية. اليوم، لم يعد فقر الدم في وجدة مجرد رقم في سجلات المختبر، بل هو مؤشر حيوي على جودة الحياة ومدى قدرتنا على مواجهة تحديات الأمراض المزمنة في شرق المملكة.