في لحظة مفصلية يمر منها العالم، ومن مدينة سانتا مارتا الكولومبية، جدد المغرب تأكيد ريادته كحلقة وصل استراتيجية ومحرك أساسي للتنمية بين دول الجنوب. عمر هلال، السفير الممثل الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة، لم يكتفِ بعرض أرقام أو معطيات تقنية خلال افتتاح الاجتماع الموسع للجنة رفيعة المستوى المعنية بالتعاون جنوب-جنوب، بل قدم ‘خارطة طريق’ مغربية واضحة المعالم، تضع الإنسان والتنمية المشتركة فوق كل اعتبار.
هلال شدد في خطاب مفعم بروح المسؤولية على أن رؤية صاحب الجلالة الملك محمد السادس للتعاون بين دول الجنوب تعد تجسيداً حقيقياً وواقعياً لمبدأ التضامن الثابت. وأوضح أن هذه الفلسفة الملكية ليست مجرد خيار دبلماسي عابر، بل هي عقيدة راسخة تترجمها المملكة إلى أفعال ميدانية، خاصة مع الأشقاء في القارة الإفريقية، ودول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي. وأبرز الدور المحوري الذي تلعبه الوكالة المغربية للتعاون الدولي كذراع تنفيذي لهذه السياسة التي تهدف إلى بناء شراكات ‘رابح-رابح’.
الرسالة التي حملها هلال كانت واضحة وبليغة؛ فنحن اليوم على بعد أربع سنوات فقط من الموعد النهائي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030. وفي ظل سياق عالمي مثقل بالتوترات الجيوسياسية، وتفاقم المخاطر المناخية، وتراجع المساعدات العمومية للتنمية، يصبح التعاون ‘جنوب-جنوب’ والتعاون الثلاثي طوق نجاة وضرورة استراتيجية لا غنى عنها.
ولم يفت الدبلوماسي المغربي لغة الأرقام التي تعكس تحولاً جذرياً في موازين القوى الاقتصادية؛ حيث كشف أن المبادلات التجارية بين دول الجنوب باتت تشكل اليوم أكثر من ثلث التجارة العالمية، وهي تنمو بوتيرة أسرع بكثير من المبادلات التقليدية بين الشمال والجنوب. هذا الزخم القوي يمتد ليشمل تدفقات الاستثمار، وتبادل الخبرات التكنولوجية، والحلول المبتكرة في قطاعات حيوية كالعمل المناخي، والتحول الرقمي، والسيادة الغذائية والصحية، مما يعزز قدرة دول الجنوب على تملك مصيرها التنموي.
يشار إلى أن هذا اللقاء، الذي استمر لثلاثة أيام بمشاركة فاعلين دوليين وبنوك تنموية ووكالات تعاون، شكل منصة هامة لمناقشة مشروع ‘التحالف العالمي للتعاون جنوب-جنوب’. هذا التحالف الطموح يطمح إلى تنسيق الجهود الدولية وحشد الموارد بشكل أكثر فاعلية، مع وضع احتياجات الدول النامية في مقدمة الأولويات، وهو التوجه الذي يواصل المغرب دعمه بقوة لضمان مستقبل أكثر عدلاً واستدامة للجميع.