لم يكد صدى أنغام السهرة الختامية لمهرجان الزهور بمدينة المحمدية يتلاشى، حتى استيقظت ‘مدينة الزهور’ على وقع مطارق العمال وهي تفكك المنصة التي احتضنت الفعاليات لعدة أيام. المشهد لم يكن روتينياً أو مجرد انتهاء تظاهرة، بل كان بداية لعملية تحول سريعة وغريبة في الآن ذاته، حيث تقرر تحويل الفضاء نفسه من ‘رئة ثقافية’ مؤقتة إلى ‘رحبة’ لبيع وعرض أضاحي العيد.
هذه السرعة القياسية في تغيير ‘جلد’ المكان أثارت الكثير من علامات الاستفهام والدهشة لدى المتتبعين للشأن المحلي بمدينة ‘فضالة’. فبين عشية وضحاها، غادرت الورود وأضواء العرض والمنصات الموسيقية، لتحل محلها سياجات حديدية وحظائر استعداداً لاستقبال قطعان الأغنام مع اقتراب عيد الأضحى المبارك. هذا المشهد يرى فيه الكثيرون تجسيداً صارخاً لسياسة ‘الارتجال’ التي تسم تدبير الفضاءات العمومية في المدينة، حيث يتم تدوير المساحات بشكل يثير السخرية أحياناً.
الواقعة لم تمر مرور الكرام، بل أشعلت فتيل الانتقادات ضد المجلس الجماعي والجهات المنظمة. فالعديد من الفعاليات الجمعوية والمدنية بالمحمدية اعتبرت أن هذا الانتقال السريع من ‘الفن إلى المواشي’ يعكس غياب رؤية ثقافية واضحة وبنية تحتية قارة تليق بحجم مدينة كالمحمدية. فبدلاً من الاستثمار في تشييد مراكز ثقافية ومسارح ومساحات ترفيهية دائمة، يتم اللجوء في كل مرة إلى حلول ترقيعية وفضاءات ‘ظرفية’ تُبنى وتُهدم حسب الطلب والموسم.
المهرجان نفسه، الذي وُضع تحت مجهر النقد، لم يسلم من سهام العتاب حتى قبل أن تتحول منصته إلى ورش للهدم. فقد سجل مراقبون ملاحظات قاسية حول طبيعة الفقرات الفنية المقدمة، والتي وصفها البعض بأنها لم ترقَ إلى المستوى المطلوب، ناهيك عن الفوضى التي رافقت الأجواء العامة للحدث. وزاد مشهد تحويل المنصة في ظرف ساعات إلى سوق للأغنام من حدة هذا الاستياء، حيث اعتبره نشطاء إهانة للفعل الثقافي واعترافاً ضمنياً بفشل المدينة في تدبير ملفاتها الترفيهية.
اليوم، تتعالى الأصوات المطالبة بضرورة القطيعة مع هذه ‘الحلول الموسمية’ التي تعطي انطباعاً بالعشوائية وتؤثر على جمالية المدينة. فالمحمدية، التي كانت تُعرف برونقها وهدوئها، باتت في حاجة ماسة إلى استثمارات حقيقية في فضاءات مهيكلة تعزز هويتها، بعيداً عن منطق ‘الساحات المتعددة الاستعمالات’ التي تتأرجح بين الفن والتجارة الموسمية، مما يكرس صورة من التخبط في تسيير الشأن العام المحلي.