24 ساعة

من التشخيص إلى الإنجاز.. خارطة طريق شاملة لتنمية جهة الشرق تخرج من وجدة

لم تعد إشكالية التنمية بجهة الشرق مجرد مادة للنقاش النظري، بل أضحت اليوم تتطلب حلولاً عملية تقطع مع لغة التشخيص وتنتقل إلى مربع التنفيذ. هذا ما خلصت إليه مائدة مستديرة احتضنتها مدينة وجدة، نظمتها جمعية “مبادرة الوطن أولاً ودائماً” تحت شعار دال: “تنمية جهة الشرق.. تحديات وطموحات”.

اللقاء الذي جمع نخبة من الأكاديميين، الخبراء الاقتصاديين، والفاعلين المؤسساتيين، لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي، بل تحول إلى ورشة عمل حقيقية أنتجت خارطة طريق تضم 16 توصية تهدف إلى جعل الجهة قطباً اقتصادياً واعداً. وكان لافتاً التركيز الكبير على “عنصر الشباب”، ليس كفئة مستهدفة فحسب، بل كمحرك أساسي لصناعة القرار، حيث طالب المشاركون بإنشاء منصات حوار دائمة ودعم المقاولات الناشئة عبر آليات تمويلية جدية تواكب متطلبات السوق الجديدة، خاصة في مجالات الرقمنة والطاقة المتجددة.

وفي الشق الاقتصادي، وضعت الجمعية إصبعها على الجرح، داعية إلى ضرورة تحقيق “عدالة مجالية” حقيقية. الفكرة هنا تتجوز مجرد الاستثمار التقليدي، لتشمل اقتراح نظام ضريبي ترابي يحفز المقاولات التي توفر فرص شغل قارة لأبناء المنطقة، مع استثمار الموقع الاستراتيجي للجهة، خاصة مع قرب تشغيل ميناء “الناظور غرب المتوسط” الذي يمثل رئة اقتصادية جديدة تربط إفريقيا بأوروبا.

ولم يغب هاجس الأمن المائي والطاقي عن طاولة النقاش، إذ تعيش المنطقة ظروفاً مناخية صعبة. وفي هذا الصدد، دعت المبادرة إلى تسريع مشاريع تحلية المياه وبناء السدود الصغرى لمواجهة الجفاف. كما برز مقترح جريء يتمثل في إنشاء محطة جهوية لتخزين الوقود والغاز، لضمان احتياطي استراتيجي يغطي احتياجات الساكنة لمدة شهرين، مما يحمي المنطقة من تقلبات السوق الدولية.

وعلى مستوى الحكامة، شدد المتدخلون على أن نجاح أي مخطط تنموي رهين بتأهيل النخب المحلية وتجويد الإدارة عبر الرقمنة الشاملة انسجاماً مع استراتيجية “المغرب الرقمي 2030”. وأكدت الجمعية أن إشراك المجتمع المدني في تقييم المشاريع هو الضمانة الوحيدة لتحقيق “القبول الاجتماعي” والنجاعة في التنفيذ.

إن مخرجات لقاء وجدة ليست مجرد حبر على ورق، بل هي نداء صريح لكل الفاعلين بضرورة التعبئة الشاملة وامتلاك الإرادة الحقيقية لتحويل هذه الرؤى إلى واقع ملموس يحس به المواطن في حياته اليومية، وهو ما يتطلب لجنة متابعة يقظة تراقب تنفيذ هذه الالتزامات وفق جدول زمني دقيق.