لم تكن مياه الفيضانات التي اجتاحت مدينة القصر الكبير مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمعدن المغاربة في الشمال. فبينما كانت المياه تحاصر الأحياء وتجبر العائلات على مغادرة منازلهم تحت ضغط اللحظات الحرجة، انطلقت في المقابل موجة عارمة من التضامن الإنساني الذي لم ينتظر توجيهات رسمية، بل نبع من القلوب.
يصف عثمان بعاج، أحد أبناء المدينة، المشهد بكثير من التأثر قائلاً: “لا يمكن للكلمات أن تصف ما نعيشه، يكفي أن تبحثوا عن القصر الكبير في منصات التواصل لتصدمكم المشاهد”. السلطات المحلية تتحدث عن إجلاء نحو 50 ألف شخص من المناطق المهددة، في رحلة هروب اضطرارية لم يحمل فيها الناس سوى ما خفّ وزنه وغلا ثمنه، وسط حيرة وقلق لم يسبق لهما مثيل.
لكن وسط هذا السواد، بزغت أنوار التآزر؛ فمن العرائش إلى تطوان ومرتيل والمضيق، فُتحت أبواب الفنادق والشقق الخاصة بالمجان. لم يقتصر الأمر على السكن، بل امتد ليشمل النقل؛ حيث تطوع أصحاب سيارات الأجرة والخواص لنقل العائلات إلى مراكز الإيواء والمدارس والمستشفيات دون مقابل. حتى الشاحنات المتوسطة سُخرت لنقل أثاث العائلات التي حاولت إنقاذ ما تبقى من ممتلكاتها.
الجانب النفسي والتربوي لم يغب عن المشهد، فقد أعلن متطوعون عن تنظيم قوافل للدعم النفسي للمتضررين فور انقضاء مرحلة الطوارئ. وفي لفتة نبيلة، بادر أساتذة ومتطوعون بتنظيم دروس مجانية للطلبة النازحين لضمان عدم انقطاع مسارهم الدراسي، ومنهم أستاذ رياضيات متقاعد في أصيلة فتح أبواب علمه لأبناء مدينته الأصلية القصر الكبير.
وعلى الرغم من هذه الصورة المشرقة، لم تخلُ الأزمة من “تجار المآسي”؛ إذ نددت هيئات حقوقية وجمعيات مدنية بحالات استغلال بشعة، حيث رفع البعض ثمن الشموع إلى 15 درهماً، وضاعف آخرون تكاليف النقل والإيواء في المناطق الأقل تضرراً، وهو ما وصفته هذه الهيئات بـ”الانتهازية التي تضرب قيم التضامن في مقتل”.
بين جهود السلطات المحلية والجيش في مراقبة منسوب الوديان وتقييم الأضرار، وبين مبادرات الشباب الذين جابوا الأزقة لمساعدة المسنين وتوفير الأدوية، تبقى القصر الكبير اليوم قصة صمود بطلها “الإنسان المغربي” الذي يثبت دائماً أن المحن تقوي الروابط ولا تكسرها.