في تحول دراماتيكي قد يعيد رسم الخارطة السياسية للجمهورية الإسلامية، أعلن مجلس الخبراء في إيران هذا الشهر عن اختيار “مجتبى خامنئي” زعيماً أعلى للبلاد، خلفاً لوالده الراحل علي خامنئي. هذا القرار لم يكن مجرد إجراء دستوري، بل وضع حداً لسنوات طويلة من الجدل والترقب حول هوية الرجل الذي سيقود دفة الحكم في واحدة من أكثر دول المنطقة تأثيراً وتعقيداً.
مجتبى، البالغ من العمر نحو 56 عاماً، لطالما وُصف بأنه “رجل الظل”. فعلى الرغم من قربه الشديد من مركز القرار طيلة العقود الماضية، إلا أنه لم يشغل يوماً منصباً رسمياً بارزاً، ولم يظهر في واجهة المشهد السياسي، مكتفياً بإدارة شبكة نفوذ معقدة من وراء الستار. وتشير تقارير استخباراتية وتسريبات سابقة، منها وثائق نشرها موقع “ويكيليكس”، إلى أن مجتبى كان الحلقة الأقوى والوصل الحيوية بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري، مؤثراً بشكل مباشر في قرارات والده المصيرية.
ينتمي الزعيم الجديد إلى جيل الحرب الإيرانية-العراقية؛ حيث انخرط في صفوف قوات التعبئة (الباسيج)، وهي تجربة صقلت رؤيته الأيديولوجية القائمة على الحذر الشديد من الغرب والتشدد في حماية السيادة الوطنية. وقبل أيام فقط من إعلان تعيينه، نال مجتبى لقب “آية الله”، وهو شرط ديني دستوري كان لا بد من تحقيقه ليصبح مؤهلاً للمنصب، في سيناريو أعاد إلى الأذهان المسار الذي سلكه والده عام 1989.
ورغم غيابه الإعلامي، ارتبط اسمه بمحطات ساخنة؛ فقد اتهمه القيادي الإصلاحي مهدي كروبي بالتدخل في انتخابات 2005، كما وُضع اسمه في قلب عاصفة أزمة 2009. ويرى مراقبون أن نقطة قوته الحقيقية تكمن في علاقاته المتينة بقادة الحرس الثوري، مما جعله الخيار المفضل للتيار المحافظ الذي يبحث عن قيادة صلبة وسط أمواج التوترات الإقليمية المتلاطمة.
يأتي صعود مجتبى في وقت تشتد فيه الأزمات، خاصة مع الولايات المتحدة التي تفرض عليه عقوبات منذ 2019، وفي ظل تهديدات إسرائيلية متصاعدة. وبينما يراه أنصاره صمام أمان لاستقرار النظام، يخشى خصومه أن يقود البلاد نحو مزيد من التشدد. إنها مرحلة مفصلية، والأنظار كلها تتجه الآن إلى طهران؛ لترى كيف سيتعامل “الرجل الغامض” مع تركة والده الثقيلة في واحد من أصعب فصول التاريخ الإيراني الحديث.