24 ساعة

مأساة في ضواحي جرادة: حين يتحول «سند العائلة» إلى جلاد ينهي حياة طفلتيه

لم تكن ليلة عادية تلك التي عاشتها منطقة «قنفودة» بضواحي إقليم جرادة؛ فبينما كان السكون يلف الأرجاء، استيقظت الساكنة على وقع فاجعة لا يمكن لعقل بشري أن يستوعب تفاصيلها بسهولة. نحن لا نتحدث هنا عن حادث عرضي أو شجار عابر، بل عن جريمة هزت كيان المجتمع المغربي وأرخت بظلال من الحزن الثقيل على جهة الشرق بأكملها، بطلها أب قرر، في لحظة تجرد فيها من كل مشاعر الأبوة، أن يضع حداً لحياة طفلتيه الصغيرتين.

البداية كانت صدمة، والوسط ذهول، والنهاية مأساة ستظل محفورة في ذاكرة الجيران والمنطقة لسنوات طويلة. فكيف يمكن ليدٍ كانت تمسح دموع الصغار أن تتحول إلى أداة لزهق أرواحهم؟ وكيف يتحول «الأمان» الذي يمثله الأب في مخيلة أي طفل إلى مصدر للخطر القاتل؟

وفقاً للمعطيات الميدانية التي رشحت عن الواقعة، فإن الأب، وهو رجل في الأربعينيات من عمره، أقدم على ارتكاب جريمته النكراء داخل منزل الأسرة، حيث استهدف ابنتيه اللتين لم تبلغا من العمر عتياً، تاركاً خلفه تساؤلات حارقة لا تجد إجابات شافية حتى اللحظة. الصغيرتان، اللتان كان من المفترض أن تستقبلا يومهما باللعب والضحك، واجهتا مصيراً أسود على يد أقرب الناس إليهما.

فور علمها بالواقعة، استنفرت السلطات المحلية وعناصر الدرك الملكي أجهزتها، حيث انتقلت على وجه السرعة إلى مسرح الجريمة. المشهد داخل المنزل كان كفيلاً بإرباك أكثر المحققين تمرساً؛ دماء بريئة سالت في مكان كان من المفترض أن يكون ملاذاً آمناً. وقد تم توقيف المشتبه به في زمن قياسي، حيث جرى وضعه تحت تدابير الحراسة النظرية بتعليمات من النيابة العامة المختصة، وذلك لتعميق البحث والكشف عن الدوافع الحقيقية وراء هذا الفعل الوحشي.

وبينما ننتظر ما ستسفر عنه التحقيقات الرسمية، تضاربت الأنباء حول الحالة النفسية للأب. هل كان يعاني من اضطرابات عقلية حادة؟ أم أن ضغوط الحياة والظروف الاجتماعية القاسية دفعته إلى حافة الجنون؟ يرى البعض أن هذه الجرائم لا يمكن تفسيرها فقط بالفقر أو الحاجة، بل هي مؤشر على خلل عميق في منظومة الصحة النفسية داخل المجتمع، حيث تظل الكثير من الحالات تعاني في صمت خلف الأبواب الموصدة إلى أن تنفجر بشكل كارثي.

الجيران والشهود العيان في «قنفودة» تحدثوا بنبرة يملؤها الانكسار؛ فالأب لم يكن معروفاً بسلوك إجرامي سابق يشي بهذه النهاية الدموية، وهو ما يضاعف من حجم الصدمة. إنها «الفجاءة» التي تجعل المجتمع يتساءل: من منا يعرف حقاً ما يدور في ذهن جاره أو حتى قريبه؟

من الناحية القانونية، يواجه الجاني عقوبات مشددة قد تصل إلى المؤبد أو الإعدام بالنظر إلى بشاعة الجرم ووجود عنصر «الأصول»، لكن العقوبة القانونية، مهما بلغت قسوتها، لن تعيد الحياة لتلك الزهرتين اللتين قطفتا قبل الأوان، ولن تضمد جراح الأم المكلومة التي فقدت فلذتي كبدها في ليلة غاب فيها القمر وغابت معها الرحمة.

هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة نقاشاً مجتمعياً قديماً متجدداً حول ضرورة التوعية بالصحة النفسية وتوفير مراكز للدعم النفسي في المناطق القروية والنائية، تماماً كما تتوفر المراكز الصحية لعلاج الأجساد. فالروح حين تمرض، قد تقتل، وهذا ما شهدناه للأسف في ضواحي جرادة.

ختاماً، تبقى هذه الجريمة جرحاً نازفاً في جسد المجتمع، وصرخة في وجه كل من يتجاهل علامات الخلل النفسي لدى المحيطين به. إنها دعوة للتأمل في قيمنا، وفي كيفية حماية الطفولة من تقلبات النفس البشرية حين تضل الطريق وتفقد بوصلة الفطرة.