لم يعد انتصار المنتخب المغربي في المحافل الدولية مجرد لحظات عابرة في ملاعب كرة القدم، بل صار تجسيداً لرؤية استراتيجية حولت الهجرة من ‘نزيف للعقول’ إلى ‘رأسمال وطني’. هذا التحول لم يأتِ بمحض الصدفة، بل هو ثمرة مسار طويل من العمل على تعزيز الروابط بين المغاربة المقيمين بالخارج ووطنهم الأم.
إن ما نراه اليوم من تألق للمواهب التي نشأت في أوروبا بقميص المنتخب الوطني، يعكس نجاح المؤسسات المغربية في خلق بيئة تجعل من ‘تمغربيت’ رابطاً عاطفياً ومؤسساتياً يتجاوز الحدود الجغرافية. لم تعد المسألة تتعلق فقط بكرة القدم، بل بمشروع وطني أقنع الأجيال الجديدة بأن نجاحهم المهني والرياضي في الخارج يمكن أن يصب في مصلحة الوطن.
لقد استطاع المغرب، تحت القيادة الرشيدة، أن يرفع من ‘جاذبيته الوطنية’، ليس من خلال إجبار الناس على العودة، بل عبر جعلهم يشعرون بأن مهاراتهم وشبكات علاقاتهم الدولية تشكل جزءاً لا يتجزأ من المستقبل المشترك للمملكة. هذا التوجه جعل من التنافس على استقطاب الكفاءات والمواهب أولوية، حيث أصبحت مؤسسات مثل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم نموذجاً في كيفية تدبير العلاقة مع الكفاءات المهاجرة.
إن التحدي المقبل يكمن في تعميم هذا النموذج ليشمل ميادين حيوية أخرى كالطب، الذكاء الاصطناعي، البحث العلمي، وريادة الأعمال. فالمغرب اليوم يثبت أن المسافات لا تذيب الانتماء، وأن النجاح في بناء مؤسسات قوية وقادرة على احتضان طموحات المغاربة أينما كانوا، هو المفتاح الحقيقي لتحويل الهجرة إلى قوة دفع تنموية تخدم المشروع الوطني في شموليته.