24 ساعة

في أمستردام.. 8 مارس ليس مجرد تاريخ، بل حكاية نضال وإنسانية مشتركة

لم يكن الثامن من مارس بالنسبة لجمعية ‘أصداقاء’ في قلب أمستردام مجرد تاريخ في الروزنامة، بل كان محطة إنسانية بامتياز، أعادت الاعتبار لجوهر النضال النسائي بعيداً عن صخب البروتوكولات الرسمية. في فضاء ‘بوديوم جينيتن’ (Podium Genieten)، اختار المنظمون أن يمزجوا بين ذكرى اليوم العالمي للمرأة وروحانية الشهر الفضيل، في لقاء اتسم بالعفوية والصدق.

بدأت الأمسية بشهادات حية قدمتها نساء هولنديات، لم يكتفين بسرد الوقائع، بل فتحن قلوبهن للحضور. كان حديثهن أشبه بـ ‘اعترافات إنسانية’ مزجت بين ألم التحديات المهنية وطموح الإنجاز. لم تكن الكلمات منمقة، بل نابعة من تجارب واقعية أثرت في الحاضرين، حيث استحضرت إحدى المتحدثات بدموع محبوسة سنوات الكفاح لإثبات الذات، بينما أعادت أخرى عقارب الساعة إلى الوراء، لتذكرنا بتلك العاملات في مصانع النسيج اللواتي أشعلن شرارة الحقوق قبل أكثر من قرن، مؤكدة أن ما نتمتع به اليوم من مكتسبات كان يوماً ما حلماً ثورياً.

لم تقتصر الأجواء على الخطابات، بل تحولت القاعة إلى فسيفساء ثقافية تعكس تنوع المجتمع الهولندي. المغاربة، وجنسيات أخرى، تقاسموا لحظات من التضامن والتقدير. ولعل أكثر اللحظات تأثيراً كانت تكريم سيدة من أصول إريترية، عُرفت بعملها التطوعي الصامت. هي واحدة من ‘الجنود المجهولين’ الذين يخدمون المجتمع بعيداً عن الأضواء، وكان تكريمها بمثابة رسالة وفاء لكل امرأة تترك بصمة بابتسامتها وتفانيها.

ولأن الفن جسر للتلاقي، كانت الفنانة ذات الأصول المصرية ‘هناء زيدان’ حاضرة بلوحاتها التي مزجت بين الروح الشرقية والحداثة، لتفتح حواراً بصرياً مع الحضور. وتصاعدت وتيرة الإبداع مع الفنان ‘هاني السوري’، الذي أطرب الحضور بصوته القوي وعزفه على العود، ليتحول المكان إلى مسرح مفتوح تفاعل معه الجميع، وتناسى فيه الحضور حواجز اللغة والجنسية.

مع اقتراب موعد الإفطار، التف الجميع حول مائدة واحدة، في مشهد يعيد للذاكرة المعنى الحقيقي للتعايش. لم تكن تلك الأمسية مجرد احتفالية عابرة، بل كانت تذكيراً بأن حكايات النساء، ماضياً وحاضراً، هي الجزء الأهم في كتاب التاريخ البشري، وأن الاعتراف بها هو الخطوة الأولى نحو مستقبل أكثر توازناً وعدالة للجميع.