24 ساعة

فخ ‘الامتثال للأطر’: حينما تغلب الإجراءات الإدارية على جوهر الأهداف المؤسساتية

تتكرر في كثير من المؤسسات، سواء كانت تعليمية أو إدارية، مواقف تكشف عن خلل بنيوي عميق؛ حيث يُمنع طالب من دخول قاعة الامتحان لتأخره أربع دقائق فقط، بينما يُسمح في الوقت ذاته بانتشار مظاهر الغش التقني داخل القاعة ذاتها دون تحرك ملموس. هذا التناقض ليس نتاج صدفة، بل هو تجسيد لسياسة مؤسساتية تضع ‘التحصين الإجرائي’ فوق المصلحة العامة.

إن الإداري الذي يطبق قاعدة زمنية بصرامة يختار الطريق الأكثر أماناً لمساره المهني، فهو لا يُسأل عن عدالة القرار، بل عن مدى مطابقته للنص القانوني. في المقابل، يتطلب اتخاذ قرارات قائمة على التقدير والاجتهاد الشخصي شجاعة ومسؤولية قد تعرض صاحبها للمساءلة. هكذا تحولت المؤسسات الحديثة من كيانات تهدف إلى تحقيق نتائج ملموسة، إلى هياكل تعطي الأولوية لضمان أن كل قرار متخذ هو قرار ‘قابل للدفاع عنه’ إدارياً.

هذا التوجه أدى إلى تآكل الجوهر الحقيقي للعمل المؤسساتي. ففي الجامعات، أصبح التركيز ينصب على صياغة القواعد الرقابية بدلاً من تقييم الفهم الحقيقي، مما جعل الأنظمة التعليمية عاجزة عن مواجهة تحديات العصر، مثل استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التي جعلت مجرد إنتاج الإجابات معياراً هشاً لقياس المعرفة.

إن الاستمرار في تفضيل الأمان الوظيفي عبر ‘الإجراءات العمياء’ على حساب التقدير الموضوعي يخلق بيئة مؤسساتية هشة. فعندما تغيب الحكمة والقدرة على التمييز في اتخاذ القرار، تفقد المؤسسات مشروعيتها تدريجياً، لتصبح مجرد آلات لتنفيذ اللوائح. الخطر الحقيقي لا يكمن في مخالفة القاعدة، بل في أن تصبح المؤسسة عاجزة عن تحقيق هدفها الأساسي لأنها انشغلت بحماية نفسها من المسؤولية بدلاً من خدمة أهدافها.