24 ساعة

غابة الذاكرة بأكادير.. حين تتصالح المدينة مع جراح الماضي وتتنفس من جديد

في قلب حي تالبورجت، حيث تتعانق ذكريات الأمس مع نبض الحاضر المتسارع، استعادت غابة الذاكرة في مدينة أكادير بريقها المفقود. لم يكن الأمر مجرد عملية تشجير عادية، بل هو إعادة كتابة لقصة مدينة رفضت الاستسلام للنسيان، وحولت الندوب القديمة إلى واحة خضراء تمنح الأمل بمستقبل أجمل.

يمتد هذا المشروع على مساحة تناهز 35 هكتاراً، ليصبح اليوم أكثر من مجرد فضاء بيئي؛ إنه شاهد عيان على حقبة مفصلية في تاريخ عاصمة سوس، وتحديداً زلزال 1960 الذي غير ملامح المدينة إلى الأبد. اليوم، تطل الغابة بحلة جديدة، لغة تتحدث بجمال الطبيعة وتستحضر الوعي التاريخي في آن واحد.

بعد ثمانية أشهر من العمل الدؤوب، استعادت الغابة توازنها البيئي بغرس نحو 10 آلاف شجرة متنوعة تتلاءم مع مناخ المنطقة. ولم يقتصر العمل على الجانب الجمالي فحسب، بل تم اعتماد رؤية حضرية ذكية تحترم الروح الأصلية للمكان، مع تجهيز بنية تحتية متطورة للري تعتمد تقنية التنقيط على امتداد عشرات الكيلومترات، إلى جانب بحيرة اصطناعية لضمان استدامة الموارد المائية في ظل التحديات المناخية الراهنة.

إن ما يسميه أبناء أكادير ‘مكان البرميان’ بات اليوم فضاءً للتأمل ومختبراً حضرياً يطرح تساؤلات جوهرية حول علاقة الإنسان بمجاله الحيوي. هذا المشروع أعاد الاعتبار لحي تالبورجت، الذي يختزل في زواياه حكايات المدينة قبل الزلزال وبعده، ليمنحه أبعاداً جديدة تربط الأجيال الصاعدة بتاريخها دون أن تثقل كاهلها بالأسى.

من جهتهم، يرى نشطاء بيئيون أن هذه المبادرة تمثل خطوة نوعية لتعزيز الرئة الخضراء للمدينة، خاصة في ظل تزايد وتيرة التغيرات المناخية. إن الحاجة إلى مثل هذه الأحزمة الخضراء أصبحت ملحة لتحسين جودة الحياة وإعادة التوازن للنظام الحضري.

هكذا، تكتب أكادير فصلاً جديداً في علاقتها بذاكرتها؛ فصلاً لا يتوقف عند استحضار الألم، بل يحوله إلى طاقة للبناء والابتكار. وبين جذوع الأشجار وممرات المشي، يظل نبض مدينة الانبعاث حاضراً، مدينة اختارت أن تتذكر.. لكي تواصل المسير نحو المستقبل.