لم تكن العواصف الأخيرة التي ضربت ضفتي المتوسط مجرد تقلبات جوية عابرة، بل تحولت إلى كابوس حقيقي يطارد المزارعين والمصدرين في المغرب وإسبانيا على حد سواء. فخلال الأيام القليلة الماضية، تسببت الأحوال الجوية القاسية في إحداث ارتباك واسع النطاق في تجارة المنتجات الفلاحية، مما أدى إلى خسائر فادحة في مناطق الإنتاج وقفزة ملحوظة في الأسعار داخل الأسواق الأوروبية.
في شمال المملكة، وقفت الرياح القوية والأمواج العاتية التي وصل علوها إلى خمسة أمتار سداً منيعاً أمام حركة الملاحة، مما اضطر سلطات ميناء طنجة المتوسط إلى تعليق العمل مؤقتاً. هذا التوقف لم يكن بسيطاً، إذ تسبب في طوابير طويلة من الشاحنات امتدت لأكثر من 40 كيلومتراً في اتجاه مضيق جبل طارق، محملة بأطنان من الخضر والفواكه التي تنتظر العبور نحو القارة العجوز. ولم تقتصر المعاناة على الميناء فحسب، بل زادت الانزلاقات الطينية والرياح الهوجاء من تعقيد المهمة، تاركة الشحنات عالقة في الطرقات.
وعلى الجانب الآخر من المتوسط، لم يكن الوضع في إسبانيا أفضل حالاً؛ فقد ضربت الأمطار الغزيرة والعواصف أقاليم فلاحية حيوية مثل ألميريا وهويلفا ومرسية. في ألميريا، غمرت المياه البيوت المغطاة بالكامل، بينما تسببت الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي في شلل تام لعمليات الحصاد والتعبئة. ويصف مهنيون في قطاع التجارة الوضع بأنه “تعطل كلي”، حيث وصلت مياه الفيضانات إلى أبواب الشاحنات وأغرقت مساحات شاسعة من المحاصيل.
وفي منطقة هويلفا، أتت الرياح القوية على عدد كبير من البيوت البلاستيكية المخصصة للفواكه الحمراء، بينما واجه مزارعو الخس في مرسية تحديات قاسية بعد تضرر المحاصيل بسبب البرد، مما أجبرهم على التخلص من كميات كبيرة من الإنتاج وتقليص المردودية بشكل حاد.
هذا المشهد القاتم ألقى بظلاله فوراً على بورصة الأسعار؛ حيث سجلت أسعار الخضروات ارتفاعاً صاروخياً في الأسواق الدولية. وفي سياق متصل، حذرت شركات النقل الإسبانية من تفاقم الاختناقات اللوجستية في ميناء الجزيرة الخضراء، الذي تحول إلى ساحة انتظار كبرى لمئات الشاحنات المغربية العالقة بسبب القيود التي فرضتها سلطات الميناء نتيجة سوء الأحوال الجوية.
داخلياً، تسببت نشرات الإنذار المتتالية (الحمراء والبرتقالية) في تباطؤ وتيرة العمل في الضيعات المغربية، وهو ما أكده الحسين أضرضور، رئيس الفيدرالية البيمهنية لإنتاج وتصدير الفواكه والخضر (FIFEL)، مشيراً إلى أن هذه التقلبات رفعت من تكاليف الإنتاج وعقدت وصول المنتجات إلى المستهلك النهائي، مما يضع القطاع الفلاحي تحت ضغط مالي ولوجستي غير مسبوق في انتظار هدوء العاصفة.