لا يختلف اثنان على أن منطقة اشتوكة آيت باها وسهل سوس عموماً، تمثل اليوم الرئة التي تتنفس منها الأسواق المغربية بالخضروات والفواكه. لكن، خلف هذا المشهد الزراعي المزدهر، تدق ناقوس الخطر ظاهرةٌ صامتة لكنها مدمرة: ملوحة المياه الجوفية التي بدأت تزحف بقوة نحو الآبار، لتضع الفلاحين أمام تحدٍ يهدد استمرارية مواسمهم الزراعية.
تؤكد الدراسات الهيدروجيولوجية الأخيرة أن ما نعيشه اليوم ليس مجرد صدفة؛ بل هو نتيجة مباشرة لـ “الاستنزاف” الذي تعرضت له الفرشاة المائية لعقود. الاستغلال المفرط للري، بالتزامن مع سنوات الجفاف المتتالية وشح التساقطات، خلق فراغاً كبيراً في باطن الأرض، مما سمح لمياه البحر بالتسلل التدريجي لتعويض النقص، في ظاهرة علمية تُعرف بـ “التداخل البحري”. والنتيجة؟ آبار تحولت مياهها إلى خليط مالح ينهك التربة قبل أن ينهك المحاصيل.
لم يعد الأمر يتوقف عند جودة المياه، بل امتد تأثيره إلى حيوية الأرض نفسها. المزارعون في المنطقة، خاصة صغارهم ومتوسطوهم، باتوا يجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما المخاطرة بمحاصيل حساسة للملوحة كالخضروات والحوامض، أو تحمل تكاليف إضافية باهظة لتقنيات الري المتطورة أو البحث عن بدائل مكلفة. وحتى تلك الحلول التقليدية، مثل تعميق الآبار، باتت أحياناً بلا جدوى أمام سرعة تملح المياه في المناطق الساحلية الممتدة بين أكادير وإنزكان.
في خضم هذه الأزمة، يبرز خيار تحلية مياه البحر كاستراتيجية وطنية لا محيد عنها لتأمين مستقبل الفلاحة في سهل سوس، خاصة مع التعثر الذي طال تزويد مدار “سبت الكردان” بهذه المياه الحيوية. ومع ذلك، يبقى الهاجس الحقيقي هو التكلفة والعدالة في توزيع هذه الموارد على المزارعين، خاصة أولئك الذين لا يملكون إمكانيات الشركات الكبرى لمواكبة هذه التحولات.
إن ما يحدث في اشتوكة آيت باها ليس مجرد أزمة تقنية عابرة، بل هو مؤشر صارخ على ضرورة إعادة ترتيب أولويات تدبير الموارد المائية. إن حماية هذه المنطقة، التي تعد ركيزة للأمن الغذائي الوطني، تتطلب أكثر من أي وقت مضى سياسات حازمة ومستدامة توازن بين الإنتاج الفلاحي والحفاظ على الثروة المائية، قبل أن تفقد أراضينا خصوبتها تحت وطأة الملوحة.