تستعد الساحة السياسية المغربية لدخول ‘منعطف حاسم’ مع اقتراب موعد انتخابات شتنبر المقبلة، وسط أجواء تطبعها تعددية حزبية لافتة تثير الكثير من الأسئلة حول مدى فعاليتها وقدرتها الحقيقية على التأثير في المشهد العام. ووفقاً للمعطيات الرسمية، فإن 34 حزباً سياسياً مرخصاً ومعترفاً به ستخوض هذا الغمار، وهو رقم يعكس في ظاهره حيوية ديمقراطية متجددة، لكنه يضع الناخب المغربي أمام خريطة سياسية معقدة تتداخل فيها حسابات القوة والمواقع وتحالفات الغد.
في قلب هذا المشهد، تبرز أحزاب ‘التحالف الحكومي’ التي تقود المرحلة الحالية، وعلى رأسها التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال. هذه الأحزاب تدخل غمار المنافسة وهي محملة بحصيلة تدبيرها للشأن العام، ما يجعلها في مواجهة مباشرة مع ‘اختبار النتائج’ أمام المواطنين، خاصة في ظل سقف التوقعات العالي والمطالب الشعبية الملحة بتحسين القدرة الشرائية، ومواجهة غلاء المعيشة، وخلق فرص شغل حقيقية للشباب.
على الجانب الآخر، تبرز أحزاب المعارضة الرئيسية في محاولة جادة لاستعادة التوازن السياسي وإعادة بناء جسور الثقة التي تزعزعت مع فئات من الناخبين. وفي هذا الإطار، يبرز حضور كل من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، بالإضافة إلى الاتحاد الدستوري. ولا يقتصر رهان هذه المكونات على انتقاد الأداء الحكومي فحسب، بل يمتد ليشمل تقديم بدائل واقعية وبرامج ملموسة قادرة على إقناع فئات واسعة من المواطنين، سيما أولئك الذين أصيبوا بنوع من ‘الفتور السياسي’ في محطات سابقة.
من الملامح البارزة أيضاً في هذا الاستحقاق، عودة حزب العدالة والتنمية إلى واجهة النقاش العمومي بعد فترة من التراجع، محاولاً استعادة بريقه السياسي. وإلى جانب هؤلاء الكبار، نجد حضوراً لمجموعة من الأحزاب التي تسعى لإثبات ذاتها وانتزاع مكان لها تحت الشمس، مثل جبهة القوى الديمقراطية، واليسار الأخضر المغربي، والحزب المغربي الحر، وحزب التجديد والإنصاف، وحزب البيئة والتنمية المستدامة. كما تضم القائمة حزب النهضة والفضيلة، وحزب العهد الديمقراطي، وحزب الوحدة والديمقراطية، وصولاً إلى حزب الديمقراطيين الجدد. وبالرغم من التباين في حجم تأثير هذه التنظيمات مقارنة بالأحزاب الكبرى، إلا أنها تراهن على سياسة القرب والخطاب البديل لضمان تمثيلية داخل المؤسسات.
إن انتخابات شتنبر المقبلة ليست مجرد سباق اعتيادي نحو المقاعد، بل هي امتحان حقيقي لقدرة الأحزاب المغربية على تجديد خطابها السياسي والتفاعل بجدية مع ناخب أصبح أكثر وعياً وقدرة على النقد. وفي ظل هذا ‘الزخم الحزبي’ وتعدد الرؤى، يبقى الرهان الأكبر هو تحويل هذه التعددية إلى منافسة نوعية تعزز الثقة في العمل السياسي، وتجعل من صندوق الاقتراع أداة حقيقية للتغيير نحو الأفضل.