لم يكن متوقعاً أن يجد وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، نفسه في عين العاصفة بسبب تصريحات بدت في نظر الكثيرين ‘خارج السياق’ وتفتقر إلى اللباقة السياسية المطلوبة. فبدلاً من أن يكون صوتاً يحتضن الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج، اختار الوزير لغة أثارت استهجان الملايين، حين وصف مطالبات البعض بشكر الجالية على مساهماتها بـ’البوزات’، معتبراً أن ما يقدمه هؤلاء ليس سوى ‘واجب وطني’ لا يستحق الامتنان.
هذا الكلام لم يمر مرور الكرام؛ بل تحول إلى فتيل أشعل غضب منصات التواصل الاجتماعي. السؤال الذي يطرحه المواطن المغربي اليوم بمرارة هو: هل نسي الوزير أن هؤلاء الملايين يضخون سنوياً مليارات الدراهم في شرايين الاقتصاد الوطني؟ وهل يمتلك المسؤول الذي لم يحقق طفرة صناعية ملموسة أو ينجح في توطين الاستثمارات الكبرى، الصلاحية الأخلاقية للتقليل من شأن شريحة هي بالأصل صمام أمان لاستقرارنا الاقتصادي؟
إن اختزال مغاربة العالم في مجرد ‘محفظة مالية’ هو قصر نظر سياسي فادح. هؤلاء هم سفراء حقيقيون، علماء، أطباء، ومهندسون يرفعون العلم الوطني في كبرى المحافل الدولية. لقد استبسلوا في الدفاع عن قضايا الوطن في الخارج، وهم يمثلون اليوم قوة ناعمة لا تقدر بثمن. التعامل معهم بمنطق ‘الاستعلاء’ ليس مجرد زلة لسان، بل هو ضرب لعمق الرؤية الملكية التي لطالما شددت على مكانة هذه الجالية ودورها المحوري في التنمية.
المفارقة هنا صارخة؛ ففي الوقت الذي يخصص فيه المغرب ‘يوماً وطنياً للمهاجر’ كاعتراف رمزي بجهودهم، يأتي خطاب الوزير ليعاكس هذا التوجه تماماً. هذا التناقض يضعنا أمام فجوة خطيرة بين خطاب ملكي يرى في الجالية رافعة تنموية، وبين ممارسة حكومية تتسم باللامبالاة.
اليوم، لم يعد الاعتذار كافياً، فقد أصبحت مسؤولية الوزير السياسية على المحك. إن البقاء في المنصب بعد إهانة جزء أصيل من الشعب المغربي هو استخفاف بكرامتهم. لقد بات رحيل مزور ضرورة ملحة لاستعادة الثقة وتصحيح المسار؛ فالمسؤول الذي لا يدرك أن الجالية هي ركيزة أساسية وليسوا عبئاً على الوطن، لا مكان له في مقعد المسؤولية. الكرة الآن في ملعب الحكومة لتثبت أنها تنتصر لكرامة أبناء المغرب أينما كانوا.