24 ساعة

زلزال في أروقة السياسة الفرنسية.. جوليو إيغليسياس تحت مقصلة اتهامات العنف الجنسي

في الوقت الذي تحاول فيه النخب السياسية في باريس لملمة شتات ملفات داخلية معقدة، انفجرت قنبلة مدوية لم تكن في الحسبان، بطلها هذه المرة جوليو إيغليسياس، الذي وجد نفسه فجأة في عين العاصفة. لم تعد القضية مجرد همسات في الصالونات المغلقة، بل تحولت إلى اتهامات علنية بالعنف الجنسي، مما أعاد إلى الأذهان سلسلة الفضائح التي هزت الطبقة الحاكمة في فرنسا خلال السنوات الأخيرة.

بدأت القصة تتكشف خيوطها حينما خرجت شهادات صادمة تصف سلوكيات لا تليق بشخصية عامة، ناهيك عن مسؤول في دوائر صنع القرار. القصة هنا ليست مجرد خبر عابر، بل هي مرآة تعكس صراعاً أعمق بين ثقافة الصمت التي سادت لعقود، وبين رياح التغيير التي تقودها حركات المطالبة بالعدالة للمتضررين. فهل نحن أمام لحظة حقيقة، أم أن الأمر لا يتعدى كونه تصفية حسابات سياسية في توقيت حساس؟

المراقب للشأن الفرنسي يدرك أن مثل هذه القضايا لم تعد تمر مرور الكرام. فالمجتمع، الذي بات أكثر حساسية تجاه قضايا التحرش والعنف، يضغط بقوة من أجل شفافية كاملة. الشهادات التي طفت على السطح تتحدث عن استغلال للنفوذ، ومواقف وصفت بـ “المرعبة”، حيث تجد الضحايا أنفسهن في مواجهة جدار من السلطة يصعب اختراقه. ومن هنا، يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لشخص في هذا الموقع أن يواجه مثل هذه التهم الثقيلة دون أن تهتز صورته العامة بشكل نهائي؟

من الناحية القانونية، تبدو المسارات معقدة. فبينما يصر الدفاع على مبدأ “البراءة هي الأصل”، ترى المنظمات الحقوقية أن ثقل الشهادات وتعددها يستوجب تحركاً قضائياً سريعاً وحاسماً. إنها معركة إرادات بامتياز؛ معركة بين رواية رسمية تحاول الدفاع عن سمعة رجل، وبين صرخات تطالب بإنصاف من تعرضن للأذى. وما يجعل الأمر أكثر إثارة هو التوقيت؛ إذ تأتي هذه الفضيحة في وقت تعاني فيه الحكومة من ضغوط شعبية، مما يجعل أي سقطة أخلاقية لمسؤوليها بمثابة وقود يشعل نيران الغضب في الشارع.

وبالعودة إلى تفاصيل ما جرى، نجد أن الأسلوب الذي تم به تداول القضية في الصحافة الفرنسية يعكس انقساماً واضحاً. هناك من يرى في الأمر ضرورة لتطهير الحياة السياسية من “الشوائب الأخلاقية”، وهناك من يخشى من تحول القضاء إلى ساحة للمحاكمات الإعلامية قبل أن تقول العدالة كلمتها. لكن، وبعيداً عن الجدل القانوني، يبقى الجانب الإنساني هو الأكثر إيلاماً. كيف تشعر تلك النساء اللواتي قررن كسر حاجز الخوف؟ وما هي الضريبة التي يدفعنها لمجرد قول الحقيقة؟

إن قضية جوليو إيغليسياس ليست معزولة، بل هي حلقة في سلسلة طويلة بدأت مع حركة “Me Too” ولم تنتهِ بعد. إنها تذكير دائم بأن السلطة، مهما عظمت، لا تمنح صاحبها حصانة ضد الأخلاق أو القانون. وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات، يبقى الشارع الفرنسي يترقب، ليس فقط مصير إيغليسياس، بل مصير منظومة كاملة تُختبر اليوم في نزاهتها وقدرتها على حماية الضعفاء من سطوة الأقوياء.

ختاماً، يمكن القول إن هذه الواقعة ستترك أثراً غائراً في المشهد السياسي الفرنسي. فالمسألة لم تعد تتعلق بفرد، بل بظاهرة تتطلب معالجة جذرية تتجاوز مجرد الإدانة أو التبرئة. فهل ستكون هذه القضية هي القشة التي تقصم ظهر البعير، أم أنها ستمر كغيرها من العواصف التي تهدأ لتعود من جديد؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن شيئاً ما قد انكسر، وترميمه لن يكون بالأمر الهين.