مع إشراقة شمس اليوم الأول من شهر رمضان المبارك في الديار الهولندية، بدت ملامح الشهر الفضيل واضحة في تفاصيل الحياة اليومية للجالية المسلمة، حيث توجه الموظفون والعمال إلى مقرات عملهم وهم يعانقون فريضة الصيام. هذا الالتزام جاء بعدما أعلنت المساجد والمراكز المغربية في هولندا، ليلة أمس، ثبوت رؤية الهلال اعتماداً على المرجعية الدينية المغربية، لتُقام صلوات التراويح في أجواء روحانية مفعمة بالخشوع والطمأنينة.
منذ الساعات الأولى للصباح، رصدنا في الأحياء التي تشهد كثافة سكانية مغربية هدوءاً لافتاً؛ فالحركة الاعتيادية خفت وتيرتها، ورسمت السكينة سمات الانضباط الروحي على وجوه الصائمين. لكن، وكما يقال، «لا تخلو الأمور من مفارقات»، فخلال جولة ميدانية لاستطلاع أحوال الجالية في هذا اليوم الأول، استوقفنا مشهد مثير للجدل؛ حيث شوهد بعض الأفراد من جنسيات عربية مختلفة، يتصدرهم إخوة سوريون، وهم يدخنون السجائر في واضحة النهار بكل عفوية.
وعند الحديث مع بعضهم لاستيضاح الأمر، جاء الرد سريعاً ليحل اللغز: «بالنسبة لنا، رمضان يبدأ غداً». هؤلاء أوضحوا أنهم يستمدون قراراتهم من صفحات دينية ومراجع عبر منصات التواصل الاجتماعي، أكدت لمريديهم أن أول أيام الشهر سيكون الخميس وليس اليوم. هذا التباين لم يكن مفاجئاً تماماً، فقد ضجت الفضاءات الرقمية منذ ليلة أمس ببيانات متضاربة وإعلانات متباينة حول ثبوت الهلال، مما أحدث انقساماً واضحاً في الشارع المسلم داخل هولندا.
ورغم هذا التشتت في «رؤية الهلال» الذي يشهده المجتمع المسلم في أوروبا ككل عام، يظل المشهد المغربي في هولندا استثنائياً بامتياز. فقد أظهر مغاربة المهجر حرصاً شديداً على توحيد كلمة الصيام والالتفاف حول ما تعلنه مساجدهم الرسمية، في صورة تعكس عمق الارتباط الروحي والوجداني بوطنهم الأم ومرجعيته الدينية. إنها رسالة تؤكد أن رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو تجديد للهوية ولحمة اجتماعية تتجلى ملامحها منذ اللحظات الأولى لهذا الشهر الفضيل.