24 ساعة

دروس من خلف القضبان: حينما يصبح الصمت «فنًا» للبقاء

تمر الأيام ثقيلة، لكنها تحمل في طياتها دروساً لا تُعلمها المدارس ولا الجامعات. حين تجد نفسك محاصراً بين جدران لا تعرف الرحمة، تبدأ بإدراك تفاصيل لم تكن لتلحظها في حياتك العادية. لقد تعلمت في هذا المكان الضيق، الذي يراقب فيه كل شيء، أن الكلمة قد يكون لها ثمن باهظ، وأن الحركة المحسوبة هي مفتاح النجاة الوحيد.

في بداياتي، كان أي احتكاك مع الحراس يثير في داخلي زوبعة من التوتر والقلق. كان مجرد سؤال عن وجبة طعام أو إجراء يومي يبدو كمعركة خاسرة سلفاً. لكن مع مرور الوقت، تحول هذا الشعور بالخوف إلى “حذر واعي”. أدركت سريعاً أن الحراس ليسوا بالضرورة أعداءً شخصيين، بل هم جزء من آلة كبيرة، وأنا لست سوى ترس في هذا النظام، عليّ أن أعرف مكاني بدقة لأتجنب الانكسار.

لقد أصبحت خبيراً في قراءة الوجوه ونبرات الأصوات. تعلمت متى أتحدث ومتى أصمت، وكيف أوازن بين حفظ كرامتي وبين الخضوع للقوانين الصارمة التي لا تقبل الجدال. هناك حراس يبحثون عن أي ثغرة للعقاب، وآخرون يمكن التعامل معهم بابتسامة هادئة أو تحية مهذبة. إنها لعبة ذكاء نفسي بامتياز، حيث الصمت ليس ضعفاً، بل هو أقوى أدوات الدفاع.

الحياة هنا إيقاع صارم؛ مواعيد الطعام، ترتيب الفراش، فترات التريض.. كل شيء مقنن. في البداية، بدا لي هذا الالتزام المفرط كابوساً، لكنني تعلمت أن هذا الانضباط هو ما يحمي الإنسان من التداعي النفسي. في الزنزانة، نشأت علاقات من نوع خاص مع رفاق المحنة؛ تبادلنا تجاربنا، واتفقنا على استراتيجيات لتفادي المشاكل، وأصبحنا سنداً لبعضنا البعض. هنا، لا تختار أصدقاءك بالمعنى التقليدي، بل تختار من يشاطرك الرغبة في البقاء.

أصعب ما في الأمر هو الحنين الذي يباغتك في كل لحظة. صور زوجتي وبناتي لا تفارق مخيلتي، وهي وحدها من يمنحني القوة للاستمرار. تعلمت أن أحول الألم إلى صبر، وأن أجد مساحات صغيرة للحرية النفسية داخل عقلي، رغم كل القيود المادية التي تكبل جسدي.

اليوم، أدرك أكثر من أي وقت مضى أن كل يوم أقضيه خلف هذه الجدران هو درس في فهم النفس البشرية. لقد تعلمت كيف أحمي طاقتي، وكيف أختار معاركي بدقة، والأهم من ذلك، تعلمت أن الإنسان قادر على الصمود والحفاظ على إنسانيته، مهما كانت الضغوط التي تحيط به. (يتبع…)