في الوقت الذي كانت فيه رياح الأزمات العالمية تهب بشدة، يبدو أن السفينة الاقتصادية المغربية قد وجدت طريقها نحو التوازن بعيدا عن تقلبات المناخ. هكذا يمكن تلخيص ما حمله التقرير الحكومي الجديد ‘5 سنوات من العمل في خدمة الوطن’، الذي رسم لوحة متفائلة لمسار الاقتصاد الوطني، مؤكدا أن المغرب لم يكتف بالصمود فحسب، بل نجح في تسريع وتيرة نموه رغم ‘سنوات الرصاص’ المناخية والجيو-سياسية.
الأرقام التي كشف عنها التقرير تعكس تحولا بنيويا؛ فقد قفز معدل النمو الاقتصادي إلى نحو 4.5% خلال الفترة ما بين 2021 و2025، مقارنة بـ 2.4% فقط في الفترة السابقة. هذا التطور ليس مجرد صدفة، بل هو نتاج ‘دينامية غير مسبوقة’ في الأنشطة غير الفلاحية التي باتت تشكل القاطرة الحقيقية للاقتصاد بنسبة نمو بلغت 4.5%، مما يثبت أن المملكة بدأت فعليا في فك الارتباط التاريخي بين ‘النمو’ و’التساقطات المطرية’.
وفي خطوة تعكس طموح الدولة في تحريك العجلة الاقتصادية، ضخت الحكومة مبالغ ضخمة في الاستثمار العمومي، حيث انتقل حجم الاستثمارات من 230 مليار درهم في 2021 ليصل إلى رقم قياسي قدره 380 مليار درهم بحلول عام 2026. هذا الضخم الاستثماري لم يذهب سدى، بل انعكس مباشرة على الطلب الداخلي الذي سجل نموا سنويا فاق 5%.
أما على جبهة التشغيل، فالصورة تحمل الكثير من الدلالات. فبينما كان الجفاف يلتهم آلاف الوظائف في القرى، نجحت القطاعات غير الفلاحية في خلق نحو 850 ألف منصب شغل بين 2021 و2025، بمعدل سنوي يصل لـ 170 ألف وظيفة. هذه القفزة ساهمت بشكل مباشر في امتصاص صدمات فقدان الشغل في البوادي وتوفير بدائل حقيقية للشباب المغربي.
وبخصوص ‘جيب المواطن’، يظهر التقرير نجاحا ملموسا في كبح جماح التضخم، الذي تراجع من ذروة 6.6% في 2022 إلى مستوى مطمئن جدا عند 0.8% في 2025. وبالتوازي مع ذلك، انتعشت خزينة الدولة بفضل تحسن المداخيل الضريبية بنسبة 59%، وهو ما سمح بتقليص عجز الميزانية ليكون في طريقه نحو 3% في 2026، مع تراجع ملموس في نسبة المديونية.
خارجيا، يواصل المغرب حصد ثمار استقراره ومصداقيته. عائدات السياحة حطمت أرقاما قياسية لتصل إلى 138 مليار درهم، فيما استمر ‘مغاربة العالم’ في لعب دورهم الوطني بضخ 122 مليار درهم من التحويلات. هذه الحركية، مدعومة بصادرات قوية بلغت 469 مليار درهم، عززت رصيد المغرب من العملة الصعبة ليغطي 6 أشهر من الواردات.
هذا النجاح لم يكن ليمر دون ‘مباركة’ دولية؛ فخروج المغرب من ‘القائمة الرمادية’ واستعادته لتصنيف ‘درجة الاستثمار’ من طرف الوكالات العالمية، وتغيير وكالة ‘موديز’ لنظرتها للمغرب إلى ‘إيجابية’، كلها إشارات تؤكد أن الاقتصاد الوطني لم يعد فقط ‘صامدا’، بل أصبح وجهة جذابة وموثوقة للاستثمارات العالمية الكبرى.