أعادت الأخطاء والقرارات المثيرة للجدل التي شهدتها بعض مباريات كأس العالم 2026 إحياء النقاش حول تأثير تقنية حكم الفيديو المساعد ‘الفار’ على كرة القدم الحديثة. ومع تكرار الحالات التحكيمية في مباريات كبرى، برز سؤال جوهري: هل خدمت هذه التكنولوجيا اللعبة، أم أنها غيرت من جوهرها وطبيعتها؟
لطالما حذر معارضون، من بينهم الرئيس الأسبق للفيفا جوزيف بلاتر، من أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا قد يسلب كرة القدم عفويتها وسحرها، محذرين من أن تتحول القرارات الحاسمة إلى نتاج لشاشات بدلاً من أرضية الميدان. ورغم أن الفيفا تبنت التقنية لتعزيز النزاهة وتقليل الأخطاء، إلا أن الواقع يظهر أن ‘الفار’ لم ينهِ الجدل، بل نقله إلى شكل جديد يتمحور حول قرارات تُتخذ خارج المستطيل الأخضر.
تكمن المعضلة في أن إدارة المباراة لم تعد حكراً على الحكم الرئيسي، بل أصبحت قيادة مشتركة مع غرفة تحكم بعيدة. هذا التداخل يطرح تساؤلات حول سلطة الحكم، خاصة عند اختلاف الثقافات التحكيمية بين الحكم الميداني ومسؤولي الفيديو. علاوة على ذلك، يؤدي توقف اللعب الطويل لمراجعة الحالات إلى كسر إيقاع المباريات، والتأثير على التركيز الذهني للاعبين، وتحويل لحظات الفرح بالأهداف إلى لحظات انتظار وترقب قلقة.
تظل قضية ‘الشفافية’ هي التحدي الأكبر. فمع وجود غرف تحكم منعزلة، يشعر الجمهور أحياناً بغياب الوضوح في اتخاذ القرار. ويقترح خبراء حلولاً لتعزيز الثقة، مثل جعل غرف ‘الفار’ مرئية داخل الملاعب، أو بث الحوارات التحكيمية للجماهير لضمان فهم أسباب القرارات.
بين السعي لتحقيق العدالة والحفاظ على روح اللعبة، تظل تقنية الفيديو أداة معقدة. فبينما نجحت في تصحيح أخطاء جسيمة، فإنها تفرض واقعاً جديداً يتطلب توازناً دقيقاً يضمن عدم تحول كرة القدم إلى رياضة تُدار من خلف الكواليس، بعيداً عن صخب الجماهير وتفاعل اللاعبين.