في مشهد يجسد أسمى قيم التضامن المغربي وروح المسؤولية الدبلوماسية، تحركت القنصلية العامة للمملكة بمدينة ‘أنفرس’ البلجيكية بشكل عاجل لإنهاء فصول قصة إنسانية مؤلمة، إثر وفاة سيدة مغربية تنحدر من مدينة ‘حمامة الشمال’ تطوان. هذه الواقعة التي حبست أنفاس الجالية، بدأت بنداء استغاثة إنساني حمل أبعاداً دبلوماسية وعاطفية عميقة، مؤكداً أن ‘تمغربيت’ تظل أقوى الروابط التي تجمع أبناء الوطن مهما بعدت المسافات.
القصة انطلقت من شريط فيديو انتشر كالنار في الهشيم، ناشد فيه صاحبه القلوب الرحيمة والمسؤولين التدخل من أجل إكرام جثمان الفقيدة (ك.ق) ودفنها وفق الطقوس والشعائر الإسلامية، تفادياً لأي إجراءات قانونية محلية قد لا تراعي خصوصية المعتقد. وبدلاً من أن تضيع الصرخة في ردهات المكاتب، التقطت القنصلية العامة بـ ‘أنفرس’ الإشارة بسرعة قياسية، حيث تجندت المصلحة الاجتماعية بتنسيق مباشر وإشراف شخصي من القنصل العام، السيد منير قطيطو، للبحث عن خيط يقود إلى عائلة الهالكة.
وعلى مدار أسبوع كامل من البحث المضني والتحري والمراسلات المكثفة، نجحت المجهودات في الوصول إلى شقيقة الفقيدة، وهي قريبتها الوحيدة التي تعيش بدورها في ظروف اجتماعية هشة بالديار الأوروبية. هذا التدخل الفعال لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان بمثابة ‘طوق نجاة’ حال دون تحويل الملف إلى السلطات القضائية المحلية، وهو المسار الذي ينتهي عادة بدفن الجثامين التي لا يُعرف أهلها في مقابر عامة وغير إسلامية.
وقد خلفت هذه المبادرة موجة عارمة من الارتياح والتقدير في صفوف أفراد الجالية المغربية بـ ‘أنفرس’، الذين عبروا عن اعتزازهم بالاحترافية العالية واللمسة الإنسانية التي طبعت تدبير هذا الملف. وأشاد مواطنون بالروح الوطنية الصادقة والحس العالي بالمسؤولية الذي أبان عنه الطاقم الإداري والقنصل العام، مما ساهم في تبسيط المساطر الإدارية المعقدة التي تقف عادة عائقاً في مثل هذه الحالات الصعبة.
وتأتي هذه الدينامية القنصلية في سياق أوسع، حيث بصمت قنصلية ‘أنفرس’ على تميز ملحوظ في مد الجسور مع مغاربة العالم، خاصة أجيال الهجرة الثالثة والرابعة. ومن خلال لقاءات تواصلية هادفة، نجحت الدبلوماسية المغربية هناك في تعزيز الارتباط بالهوية الوطنية، وهو ما تجلى في الإقبال المتزايد للشباب على استصدار الوثائق الثبوتية المغربية، لتثبت هذه المؤسسة أن دورها يتجاوز العمل الإداري إلى حماية كرامة المغربي حياً وميتاً.