في الوقت الذي لا تزال فيه ساكنة إقليم تاونات تحاول تضميد جراحها، كشفت لجنة دعم ضحايا الفيضانات عن أرقام ‘صادمة’ تعكس عمق المأساة التي خلفتها الاضطرابات الجوية منذ منتصف شهر يناير الماضي. لم تكن مجرد أمطار عابرة، بل كارثة طبيعية حقيقية هزت استقرار مئات الأسر وأعادت طرح سؤال البنية التحتية الهشة في المناطق القروية.
من قلب العاصمة الرباط، تعالت أصوات اللجنة مطالبة الحكومة بإعلان تاونات ‘منطقة منكوبة’. فالحصيلة ثقيلة بكل المقاييس؛ إذ تم تسجيل أربع حالات وفاة، من بينها رضيع، في مأساة إنسانية هزت مشاعر الجميع. ولا تتوقف الخسائر عند حدود الأرواح، بل امتدت لتطال نحو 150 قرية، حيث وجد أكثر من ألفي شخص أنفسهم في مهب الريح، بعد أن اضطرت 300 أسرة لمغادرة منازلها التي باتت تشكل خطراً محدقاً على حياتهم.
وبالحديث عن الإيواء، فقد كشفت البيانات الميدانية عن انهيار كلي أو جزئي لحوالي 450 منزلاً، بينما أصبحت 300 أخرى غير صالحة للسكن، وهي بيوت مبنية في غالبيتها من ‘الطين والحجر’، ما جعلها صيداً سهلاً لسيول الأمطار وانجرافات التربة. أما القطاع الفلاحي، الذي يمثل شريان الحياة الوحيد لسكان المنطقة، فقد تلقى ضربة موجعة؛ إذ فقد الفلاحون أكثر من ألفي رأس من الماشية، ناهيك عن ضياع ما يصل إلى 80 في المئة من محصول الزيتون، الذي يشكل الدخل الأساسي للعائلات القروية. ولم يسلم ‘الفول والجلبان’ أيضاً من بطش الطبيعة، حيث أتلفت الأمطار الغزيرة مساحات شاسعة من محاصيل الربيع.
أمام هذا الواقع المرير، سارعت اللجنة إلى توجيه مذكرة ترافعية إلى رئيس الحكومة ووزير الداخلية، مطالبة بإيفاد لجان تقنية لإجراء تقييم ميداني شامل وعاجل، مع إشراك الفاعلين المحليين في هذه العملية. المطلب الجوهري يظل هو تفعيل المساطر القانونية المتعلقة بتعويض ضحايا الكوارث الطبيعية، تماماً كما حدث في أقاليم أخرى عاشت ظروفاً مشابهة.
إن ما تحتاجه تاونات اليوم يتجاوز الوعود؛ فهي في أمس الحاجة إلى تحرك حكومي يضخ الموارد اللازمة لتأهيل البنية التحتية المهترئة، وتقديم دعم مالي مباشر للفلاحين الذين خسروا قوت يومهم. فهل ستستجيب الحكومة لهذه الصرخات، وتضع إقليم تاونات ضمن أولويات أجندتها لتخفيف حدة هذه الأزمة وتجاوز تداعياتها؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.