يبدو أن ملف الصحراء المغربية دخل مرحلة “الطبخ الهادئ” في كواليس الدبلوماسية الدولية؛ فبعيداً عن صخب التصريحات الرسمية، تتجه الأنظار صوب العاصمة الإسبانية مدريد، التي من المرتقب أن تحتضن يوم الثلاثاء المقبل جولة مفاوضات مغلقة وحساسة للغاية برعاية مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية. هذه الخطوة، التي كشفت عنها صحيفة “إل كونفيدينسيال” الإسبانية نقلاً عن مصادر دبلوماسية رفيعة، تعكس رغبة واشنطن الأكيدة في وضع ثقلها الكامل لحل هذا النزاع الإقليمي الطويل.
اللقاء الذي سيُعقد داخل أسوار السفارة الأمريكية بمدريد، لن يقتصر على طرفي النزاع فحسب، بل سيضم أيضاً كلاً من الجزائر وموريتانيا. وما يميز هذه الجولة هو طابع السرية المطلقة الذي فرضه المسؤولون الأمريكيون، في محاولة لتجنب أي ضغوط إعلامية قد تعيق تدفق النقاشات الجادة. ومن الواضح أن واشنطن بدأت تسحب بساط الوساطة تدريجياً من تحت أقدام الأمم المتحدة، لتتولى هي قيادة الدفة بشكل أكثر حزماً ومباشرة.
وعلى مستوى التمثيل، سيقود الوفد المغربي وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، بينما يمثل الجانب الجزائري أحمد عطاف، والموريتاني محمد سالم ولد مرزوق، في حين يمثل جبهة البوليساريو محمد يسلم بيسات. ورغم أن المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا سيكون حاضراً، إلا أن المحرك الفعلي لهذه المبادرة هما مسعد بولس، ممثل الرئيس دونالد ترامب لأفريقيا، ومايكل والتز، سفير واشنطن لدى الأمم المتحدة.
وتأتي هذه المحادثات المرتقبة كاستكمال لجلسة ماراثونية سرية عُقدت قبل أسبوعين في واشنطن، واستمرت لـ 48 ساعة بعيداً عن أعين الصحافة الأمريكية. ويقود مسعد بولس هذا الحراك باعتبار ملف الصحراء أولوية قصوى للإدارة الأمريكية الحالية، وهو ما ترجمته زيارته الأخيرة للجزائر ولقاؤه بالرئيس عبد المجيد تبون في يناير الماضي.
النقاشات الحالية ترتكز بشكل أساسي على قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي يضع مقترح الحكم الذاتي المغربي كقاعدة وحيدة وأساسية للحل. وفي هذا الصدد، قدم المغرب مؤخراً نسخة موسعة ومفصلة من مخطط الحكم الذاتي في وثيقة من 40 صفحة، أعدها كبار مستشاري الملك والمسؤولين الحكوميين، وهي النسخة التي تراها واشنطن تطوراً إيجابياً وخطوة متقدمة نحو الأمام.
ورغم بعض القراءات التحليلية التي تتخوف من تبعات التوسع في الحكم الذاتي، إلا أن الرباط تمضي بخطى ثابتة مدعومة بزخم دولي غير مسبوق؛ فمن اعتراف الولايات المتحدة وفرنسا بسيادتها على الأقاليم الجنوبية، إلى الدعم الجماعي للاتحاد الأوروبي والموقف الإسباني التاريخي، يبدو أن الدبلوماسية المغربية نجحت في محاصرة الأطروحات الانفصالية، وتتجه الآن نحو تقليص دور بعثة “المينورسو” أو إنهاء مهامها تماماً، خاصة بعد تراجع قدراتها التشغيلية وتقليص ميزانيتها.