24 ساعة

بني ملال تستعيد ‘بياضها’ التاريخي.. عودة إلى الهوية البصرية الأصيلة في قلب الأطلس

بني ملال، تلك الجوهرة القابعة في سفح جبال الأطلس المتوسط، بدأت أخيراً تتنفس بياضاً. فبعد سنوات من سيطرة اللون الأحمر على جدرانها وواجهاتها، وهو اللون الذي دخل غريباً على نسيجها العمراني، قررت السلطات المحلية التدخل لإنهاء هذا ‘التناقض’ البصري وإعادة المدينة إلى حضن هويتها الأصلية التي طالما عرفت بها تاريخياً.

من يزور بني ملال هذه الأيام، سيلحظ بلا شك حركة دؤوبة لعمال الصباغة وهم يغطون ‘الحمرة’ بطبقات من البياض الناصع. هذه العملية الواسعة لم تكن مجرد رغبة عابرة، بل جاءت تنفيذاً لقرار يهدف إلى توحيد الطابع الجمالي للمدينة. فقد شملت التدخلات واجهات المؤسسات العمومية، والمباني المطلة على الشوارع الرئيسية، وحتى المنشآت التي كانت تلبس حلة لا تشبه تاريخ المنطقة.

هذا التغيير الجذري في ‘أزياء’ المدينة لم يمر مرور الكرام، فقد خلق نقاشاً حيوياً بين الساكنة. ففي الوقت الذي استقبل فيه الكثيرون هذه الخطوة بكثير من الارتياح، معتبرين أن ‘البياض’ هو روح بني ملال وجزء من ذاكرتها الجماعية التي تميزها عن مدن أخرى مثل مراكش، طالب آخرون بأن لا تقتصر هذه المبادرات على ‘الواجهات’ فقط. فالرأي العام المحلي يطمح إلى أن تكون هذه الصباغة مجرد بداية لورش إصلاحي شامل يطال البنية التحتية، والإنارة، والمساحات الخضراء، لتكتمل الصورة الجمالية للمدينة.

وتعكس هذه المبادرة، التي تشرف عليها السلطات الإقليمية، رؤية جديدة تهدف إلى تعزيز جاذبية المدينة السياحية والاستثمارية. فالحفاظ على الخصوصية المعمارية ليس مجرد ترف جمالي، بل هو ضرورة تفرضها متطلبات التنمية الحضرية الحديثة التي تشترط احترام التاريخ والبيئة المحلية. إنها دعوة صريحة للعودة إلى الأصل، وربط ماضي المدينة بمستقبلها، في تناغم يجعل من بني ملال مدينة مريحة للعين وللقاطنين بها على حد سواء.