لم تكن صافرة نهاية مباراة نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 مجرد إعلان عن فائز وخاسر فوق المستطيل الأخضر، بل تحولت، ويا للأسف، إلى وقود لحملة إلكترونية شرسة تحاول النيل من هوية المغرب الإفريقية. فجأة، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بوسوم وتدوينات غريبة تطالب بـ”إخراج المغرب من إفريقيا”، وكأن الجغرافيا والتاريخ مجرد خيارات يمكن حذفها بـ”نقرة” زر.
هذه الهجمة، التي رصدها مراقبون ومحللون، لم تأتِ من فراغ؛ بل سبقتها سلسلة من الاستفزازات والادعاءات المضللة التي استهدفت تنظيم المغرب للبطولة. لكن الأمور أخذت منحىً مقلقاً بعد المباراة النهائية، حيث تجاوزت الانتقادات حدود الرياضة لتتحول إلى خطاب كراهية وعنصرية استهدف الجاليات المغربية والسنغالية على حد سواء، في محاولة لتسييس خسارة كروية عابرة.
وفي قراءته لهذا المشهد، يرى المحلل السياسي محمد شقير أن ما نراه ليس سوى “زوبعة في فنجان”، مؤكداً أن المشاعر العاطفية المؤقتة التي تلي مباريات كرة القدم لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تزعزع الجذور العميقة للمغرب في قارته. فالعلاقات المغربية الإفريقية، كما يصفها، هي علاقات بنيوية وتاريخية صلبة، تدعمها شراكات اقتصادية وسياسية قائمة على مبدأ “رابح-رابح”، وهو ما أكدته أيضاً السفارة السنغالية في مواقفها الرسمية.
من جانبه، شدد منير الغزوي، رئيس الشبكة المغربية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، على أن الروابط الروحية والثقافية التي تجمع المملكة بعمقها الإفريقي أقوى بكثير من أي حملات عابرة. وأشار إلى أن الرؤية الملكية جعلت من التعاون “جنوب-جنوب” استراتيجية طويلة الأمد، تجسدت في مشاريع ضخمة في البنية التحتية، والزراعة، والطاقة المتجددة، مما يعكس إيماناً حقيقياً بوحدة القارة واستقلاليتها.
وعلى الجانب الحقوقي، دقّت جمعيات مدنية ناقوس الخطر تجاه تصاعد لغة العنصرية و”الزينوفوبيا”. محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، حذر من استغلال التوتر الرياضي لتغذية الانقسام، داعياً الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى الحزم القانوني ضد كل من تورط في إثارة الفوضى أو الترهيب. وفي سياق متصل، طالبت منظمات حقوقية وشبكات صحفية بضرورة التصدي للأخبار الزائفة وحماية كرامة المهاجرين، مؤكدة أن الحفاظ على اللحمة الإنسانية بين الشعوب، وخاصة بين المغرب والسنغال، هو الرهان الحقيقي الذي يجب أن ينتصر في النهاية.