في قلب مدينة الناظور، وبالتزامن مع استحضار عبق الذاكرة التاريخية في ذكرى استشهاد المجاهد الشريف محمد أمزيان، شهدت المنطقة تحولاً نوعياً يعكس التوجه الجديد للمملكة في تدبير الشأن السجني. فقد احتضن السجن المحلي بالناظور مراسيم توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية مع المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وهي الخطوة التي لا تعدو كونها مجرد إجراء إداري، بل هي ترجمة فعلية لروح القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة.
هذه المبادرة، التي جرت تحت أنظار ثلة من المسؤولين الترابيين والقضائيين والفاعلين المؤسساتيين، تأتي لتعيد رسم ملامح ‘الفلسفة العقابية’ في المغرب بما يتماشى مع المعايير الحقوقية الحديثة. وفي هذا الصدد، أوضح عبد السلام السهلي، مدير السجن المحلي بالناظور، أن هذه الاتفاقية تمثل خطوة عملية لتنزيل مقتضيات القانون الجديد، مع التركيز بشكل خاص على ‘العمل للمنفعة العامة’ كدعامة أساسية لإعادة صياغة مفهوم العقوبة. فالفكرة هنا ليست مجرد تقييد للحريات، بل منح النزيل فرصة لرد الاعتبار لنفسه عبر خدمات تفيد المجتمع، مما يضفي بعداً تربوياً وإنسانياً على المسار السجني.
إن الرهان الحقيقي اليوم، كما أكد المتدخلون في هذا اللقاء، يكمن في تحويل فترة العقوبة إلى محطة للبناء والمواطنة، بدلاً من أن تكون مجرد سنوات ‘بيضاء’ خلف القضبان. ومن خلال الانفتاح على مؤسسات وطنية وازنة، يتم ربط النزلاء بقيم الانتماء، ما يسهل عملية تأهيلهم نفسياً وسلوكياً لضمان عودة سلسة وإيجابية إلى الحياة العامة كأفراد منتجين.
وتندرج هذه الدينامية المتسارعة في إطار تنسيق ميداني وثيق، ينسجم مع القرارات العاملية لإقليم الناظور، ويدعم المجهودات الدؤوبة التي تبذلها المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج. الهدف الأسمى هو بناء أرضية تشاركية متينة تسمح بتتبع وتقييم برامج العقوبات البديلة لضمان نجاعتها على أرض الواقع.
بهذا التوجه، تؤكد مدينة الناظور انخراطها القوي في ورش الإصلاح القضائي الكبير الذي يشهده المغرب، مكرسةً عصراً جديداً من ‘العدالة الإصلاحية’ التي توازن بذكاء بين الردع القانوني اللازم لحماية النظام العام، وبين خيار الأنسنة والتأهيل كخيار استراتيجي لتقليص حالات العود وتحقيق السلم الاجتماعي.